فليكن المرجع إلى أهل طاعة اللّه، ومن ثم قيل: ولا يصحب الإنسان إلا نظيره * وإن لم يكونوا من قبيل ولا بلد، وصحبة من لا يخاف اللّه لا يؤمن غائلتها لتغيره بتغير الأعراض، قال تعالى {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} ، والطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري.
وقوله: (ولا يأكل طعامك إلا تقي) لأن المطاعمة توجب الألفة وتؤدي إلى الخلطة، بل هي أوثق عرى المداخلة، ومخالطة غير التقي يخل بالدين ويوقع في الشبه والمحظورات، فكأنه ينهى عن مخالطة الفجار إذ لا تخلو عن فساد، إما بمتابعة في فعل، أو مسامحة في إغضاء عن منكر، فإن سلم من ذلك ولا يكاد فلا تخطئه فتنة الغير به، وليس المراد حرمان غير التقي من الإحسان لأن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أطعم المشركين وأعطى المؤلفة المئين بل يطعمه ولا يخالطه، والحاصل أن مقصود الحديث كما أشار إليه الطيبي النهي عن كسب الحرام وتعاطي ما ينفر منه المتقي، فالمعنى لا تصاحب إلا مطيعًا ولا تخالل إلا تقيًا. [1]
ولهذا يجب على المرء الاقتداء بالنبي @ في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وآدابه وأخلاقه، وذلك مقتضى المحبة الصحيحة، فإن المرء مع من أحب، ولا بد من مشاركته في أصل عمله وان قصر المحب عن درجته.
فعن أبي وائل عن عبد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قوما ولما يلحق بهم؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب". [2]
ولما سأله ربيعة الأسلمي [3] مرافقته في الجنة قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود. [4]
(1) فيض القدير.
(2) رواه مسلم برقم (2640) . وقد سبق الكلام على هذا الحديث، وما قاله العلماء من فوائد.
(3) هو ربيعة بن كعب الأسلمي >، من أهل الصفة، كان خادمًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحبه قديما ولازمه حضرًا وسفرًا، مات سنة ثلاث وستين من الهجرة، وكنيته أبو فراس بكسر الفاء فراء آخره سين مهملة.
(4) عن ربيعة بن كعب قال: كنت أخدم رسول الله نهاري أجمع حتى يصلي عشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته، أقول لعلها أن تحدث لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجة فما أزال أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول سبحان الله وبحمده حتى أمل فارجع أو تغلبني عيناي فأرقد، فقال لي يومًا لما يرى من حقي له وخدمتي إياه: يا ربيعة بن كعب سلني أعطك، قال فقلت: أنظر في أمري يا رسول الله ثم أعلمك ذلك، قال: ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقًا بمبدله ويأتيني، قال فقلت: أسأل رسول الله لآخرتي فانه من الله بالمنزل الذي هو به، قال: فجئته، فقال: ما فعلت يا ربيعة؟ قال: فقلت نعم يا رسول الله، أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار، قال: فقال: من التابعين بهذا يا ربيعة، قال: فقلت لا والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد، ولكنك لما قلت سلني أعطك، وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به، نظرت في أمري فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقا سيأتيني، فقلت اسأل رسول الله لآخرتي، قال: فصمت رسول الله طويلًا، ثم قال لي: إني فاعل، فأعني على نفسك بكثرة السجود". رواه أحمد برقم (15769) ، ومسلم برقم (1046) ، باب بدء الأذان، وأبو داود برقم (1320) ، باب نسخ القرآن، والترمذي برقم (3706) ، والنسائي برقم (1136) ، باب التطبيق، عن ثوبان وأبي الدرداء رضي الله عنهما."