إن هذه المشكلة التي ذكرها سيد تضرب أطنابها في واقع المسلمين قديمًا وحديثًا .. ولو نظرت أخي - المسلم - إلى حاضر المسلمين الآن لرأيت استفحال هذه القضية وظهور آثارها وانعكاساتها.
وقد ذكر سيد قطب على ذلك أمثلة منها: أن تهمة المستشرقين وأذنابهم بأن الإسلام انتشر بالسيف والقوة، قد قوبلت بهذا المسلك الذي حذر منه سيد وغيره من المصلحين .. حيث انبرى بعض (( المنهزمين ) )بتبرئة الإسلام من تلك الفرية، واشتطوا في ذلك حتى أسقطوا قيمة الجهاد في سبيل الله، وحصروه في مجال الدفاع ورد العدوان!!
كما أورد سيد مثلًا آخر خلاصته: أن النزعة العقلية الغالية عند محمد عبده بحيث جعل العقل ندًا للوحي، بل وربما قدمه على الوحي .. إنما جاء كرد فعل للبيئة التي ظهر فيها محمد عبده حيث أغلقت باب الاجتهاد، وأنكرت على العقل دوره في فهم الشريعة والاستنباط، فغلب على تلك البيئة الجمود والتقليد الأعمى وانتشار الخرافة .. وفي نفس الوقت كانت أوربا تعبد العقل ..
وكم هو محزن حقًا أن تظل إصلاحات بعض الناصحين وجهودهم وليدة ردود فعل لبعض الانحرافات السائدة، فتستحوذ عليهم تلك الانحرافات، وتصاغ حقائق هذا الدين وفق الرد والمواجهة لهذا الانحراف .. ما يورث انحرافًا آخر يقابل الانحراف السابق.
وتأمل ظهور الفرق الإسلامية وتمزق الأمة شيعًا وأحزابًا .. تجد أن (ردود الفعل) أحد الأسباب الرئيسية في نشأة تلك الفرق وانحرافاتها .. فالإرجاء ظهر كرد فعل لقول الوعيدية (الخوارج والمعتزلة) وكذا الجبر رد فعل لنفي القدر .. والتشبيه في مقابل التعطيل.
وانظر إلى ظاهرة الغلو في التكفير والتسرع فيه .. وكيف أدى الأسلوب الذي سلكه بعضهم من أجل علاج الظاهرة السابقة (ردود أفعال) ! لقد قام من يهاجم هذا الانحراف (التسرع في التكفير والغلو فيه) ويؤلف في موضوع التكفير .. لكن على سبيل الرد على أولئك الغلاة (خوارج اليوم) فانزلق القوم فصاروا"مرجئة اليوم"!