ومثال آخر: وهو أن الأمة لما غرقت في لجة الجمود على كتب الفقهاء المتأخرين، ووقعت في أسر التقليد والتعصب لآراء الرجال .. قام قوم - إزاء هذا الشطط - فانكروا ذلك - بالأسلوب الخاطئ - واشتطوا في ذلك لدرجة تجريح العلماء وازدراء كتب الفقه.
لا شك أن لهذه الظاهرة أسبابًا يمكن من خلال إدراكها معرفة الأسلوب الملائم في علاجها، فمن أسباب المشكلة: ضغط الواقع وشدة تأثيره وتفاعل الإنسان معه سلبًا أو إيجابًا، أو نفورًا أو استسلامًا، فربما نزّل النصوص الشرعية على الواقع فجعل واقعه حكمًا على الوحي.
ومن أسباب هذه المشكلة: القصور في العلم الشرعي والجهل بالنصوص الشرعية متكاملة والظلم والاعتداء على الطرف الآخر، والقصور في النظرة المتكاملة للواقع الحاضر، ومن أسبابها: فقدان الموازنة والشمولية عند النظر إلى بعض الانحرافات العلمية أو العملية، والنظر إلى أعراض المشكلة وآثارها دون أصلها وسببها.
وأخيرًا لا بد أن نعرض حقائق وشرائع هذا الدين من خلال الأسلوب التقريري اليقيني، وأن نحذر من مسلك الرد والنقض لما قد يورثه من انفعالات ردود وتعديات، وأن لا تستحوذ علينا بعض الانحرافات بحيث تكون شغلنا الشاغل، فنهمل ما هو أولى بالعلاج منها، وأن نكثر أولًا وأخيرًا من التضرع إلى الله تعالى والاستعانة به فلا منجا من الله إلا إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.