الصفحة 15 من 40

ومثال آخر على عناية السلف في تحقيق هذه الوسطية القائمة على الإيمان بالوعد والوعيد معًا، ما فعله الحسن البصري - رحمه الله - (( عندها جاءه رجل يسأله عن فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وكان ذلك في أيام فتن - فذكر الحسن حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (( لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه، أو شهده، فإنه لا يقرِّب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقال بحق ) ) (1) .

ثم أتبعه الحسن بحديث آخر - في الوقت نفسه - وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ليس لمؤمن أن يذّل نفسه ) )قيل يا رسول الله! وما إذلاله لنفسه؟ قال: (( يتعرض من البلاء ما لا يطيق ) ) (2) .

أرأيت - يا أخي القارئ - إلى فقه الحسن - رحمه الله - في الدعوة إلى الله، إنها دعوة إلى البذل بلا إذلال، وأمر بالإقدام مع النهي عن التهور.

الوعيد المطلق في القرآن والسنة النبوية مشروط: ومتحقق بثبوت شروط، وانتفاء موانع، فنطلق القول بنصوص الوعد والوعيد، والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام المطلق، حتى يقوم فيه المقتضي الذي لا معارض له، ومن هذا الوعيد - مثلًا - اللعن. فعلن المطلق لا يستلزم لعن المعيّن الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة به.

(1) رواه أحمد.

(2) وراه أحمد والترمذي، وانظر: صحيح الجامع الصغير: 6/ 253. وانظر: هذه القصة مفصّلة في كتاب تعظيم قدر الصلاة للمروزي: 2/ 976.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت