فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 262

و قال بعضهم: أن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المحذرة المخوفة، ولا أحد يدخل النار إلا وهو مخالف للدليل غير متمسك بموجبه.

قلت (أبو يوسف) : و المختار أن النذير هنا الرسول البشري و يشمل ذلك أيضا الحجة الرسالية التي يقيمها أتباع الرسل و ذلك أن تلك اللفظة ذكرها القرآن ثلاثين مرة تقريبا بلفظ (نذير /النذير) و كلها تشير إلي الرسول البشرى باستثناء مرتين"أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) [الملك: 17] "قيل في النذير ههنا إنه المنذر، يعني محمدًا عليه الصلاة والسلام وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك، والمعنى فستعملون رسولي وصدقه، لكن حين لا ينفعكم ذلك، وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول و الثانية"هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) [النجم: 56] "فسر بالقرآن و فسر بالرسول صلى الله عليه و سلم.

أما باقي الأيات فتشير بوضوح للنذير البشرى مثل"إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ"و"فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ"و"وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا"و"إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ"و"وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ"و"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ".

*** قال الرازى: احتجت المرجئة على أنه لا يدخل النار أحد إلا الكفار بهذه الآية، قالوا: لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا: كذبنا النذير، وهذا يقتضي أن من لم يكذب الله ورسوله لا يدخل النار.

قلت أبو يوسف: و هذا من أبطل الباطل فإن النصوص المتواترة جاءت بدخول عصاة الموحدين النار ثم خروجهم منها بشفاعة النبي (ص) أو الشهداء أو المؤمنين حتى يقول الله تعالى شفعت الملائكة وشفعت النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط و لكنهم موحدون.

و يمكن أن يجاب عن شبهتهم أن في النار مواقف عديدة و مواطن لا يعلمها إلا الله و هذا الموطن خاص بدخول الكفار و ليس عصاة المؤمنين أو أن السؤال يسأل لهم جميعا فيجيب الكفار هذه الإجابة و لم تتعرض الآية لإجابة عصاة الموحدين أو غير ذلك من الإجابات التي الغرض منها ليس تعيين جواب بعينه لأن الشرع لم يخبنا بذلك على حد علمي بقدر ما أن الغرض نفى التعارض لدرء الشبهه.

*** قال الرازي: احتج القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع بهذه الآية وقالوا: هذه الآية دلت على أنه تعالى إنما عذبهم لأنه أتاهم النذير، وهذا يدل على أنه لو لم يأتهم النذير لما عذبهم.

قلت أبو يوسف: و أجمل من هذا و أوضح قوله تعالي"و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"فالله الكريم الحميد المجيد من آثار رحمته أنه يقيم حجته فيرسل رسله و ينزل كتبه و يقبل عذر المعذور و لا أحد أحب إليه العذر من الله و هذا من عظيم فضله و رحمته التي يغفل عنها كثير من الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت