و قال تعالى:"لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" (37)
قال بن الجوزى: قوله تعالى: {ويجعل الخبيث بعضه على بعض} أي: يجمع بعضه فوق بعض، وهو قوله: {فيركمه} . قال الزجاج: الركم: أن يُجعَل بعضُ الشيء على بعض، يقال: ركمت الشيء أركُمه رَكمًا، والركام: الاسم؛ فمن قال: المراد بالخبيث: الكفار، فانهم في النار بعضهم على بعض. اه بتصرف
***"خَزَنَتُهَا":
الملائكة الموكل إليهم أمر جهنم وهو جمع خازن للموكل بالحفظ وأصل الخازن: الذي يخزن شيئا أي يحفظه في مكان حصين فإطلاقه على الموكلين مجاز مرسل و هم مالك وأعوانه من الزبانية.
***"أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ":
وهو سؤال استنكار و توبيخ و تقريع ليزدادوا حسرة، قال الزجاج: وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب.
قلت: فكأنه يقولون لهم ما الذي أتى بكم إلى هنا ألم تنذروا هذا العذاب العظيم؟ هل يمكن لعاقل أن يُحذر من مثل هذا ثم يقع فيه؟ ألم يأتكم نذير؟
قال تعالى حاكيا عن المنافقين قولهم"أنؤمن كما آمن السفهاء"فأجابهم الله"ألا إنهم هم السفهاء و لكن لا يعلمون"فما أبلغ حمق و سفه من حُذر من النار و قامت له البراهين و الحجج على صدق الوحي فكذب و أبى ركونا إلى ما في يده من نعمة الله و كبرا بها على الحق.
*** و هذه المقالة من الملائكة تكرر قال سبحانه"وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50) " [غافر: 50، 51]
فيمتنع الملائكة من الدعاء لهم و الشفاعة فيهم لهذه العلة فقد بلغتهم الرسالة و قامت عليهم الحجة فلا تنفعهم شفاعة الشافعين و لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا و لو افتدى به.
فكم في تكذيب الرسل من خسران تعرضوا له؟
*** وجملة (ألم يأتكم نذير) بيان لجملة سألهم كقوله (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد) .
*** والنذير: المنذر أي رسول منذر بعقاب الله.
قال بن عاشور: وهو مصوغ على غير قياس كما صيغ بمعنى المسمع السميع في قول عمرو بن معد يكرب: أمن ريحانة الداعي السميع.