*** قال بن عاشور: و (كلما) مركب من (كل) اسم دال على الشمول ومن (ما) الظرفية المصدرية وهو حرف يؤول مع الفعل الذي بعده بمصدره.
والتقدير: في كل وقت إلقاء فوج يسألهم خزنتها الفوج.
وباتصال (كل) بحرف (ما) المصدرية الظرفية اكتسب التركيب معنى الشرط وشابه أدوات الشرط في الاحتياج إلى جملتين مرتبة إحداهما على الأخرى.
وجيء بفعلي (ألقى) و (سألهم) ماضيين لأن أكثر ما يقع الفعل بعد (كلما) أن يكون بصيغة المضي بأنها لما شابهت الشرط استوى الماضي والمضارع معها لظهور أنه للزمن المستقبل فأوثر فعل المضي لأنه أخف.
***"كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلل كبير" (9)
أتبع وصف ما يجده أهل النار عند إلقائهم فيها من فضائع أهوالها بوصف ما يتلقاهم به خزنة النار.
فالجملة استئناف بياني أثاره وصف النار عند إلقاء أهل النار فيها إذ يتساءل السامع عن سبب عن وقوع أهل النار فيها فجاء بيانه بأنه تكذيبهم رسل الله الذين أرسل إليهم مع ما انضم إلى من وصف ندامة أهل النار على ما فرط منهم من تكذيب رسل الله وعلى إهمالهم النظر في دعوة الرسل والتدبر فيما جاءهم به.
*** الفوج الجماعة من الناس.
قال بن عاشور: والفوج: الجماعة أي جماعة ممن حق عليهم الخلود وجيء بالضمائر العائدة إلى الفوج ضمائر جمع في قوله (سألهم) الخ لتأويل الفوج بجماعة أفراده كما في قوله (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) .
قلت: و كما كانوا في الدنيا أفواجا و جماعات و شعوب و قبائل يحادون الله و رسوله ففي الآخرة يلقون فيها بالجملة كالقمامة تلقى في القليب لتفور بهم النار هؤلاء أمما كانت قاهرة و حضارات دنيوية متقدمة أغلبهم من العتاة و الجبارين و المتكبرين و منهم الذين لكلمتهم تهتز العروش هؤلاء لا قيمة لهم في الآخرة.
روى البخارى في صحيحه عن سهل قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا قَالُوا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ قَالَ ثُمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا قَالُوا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا.
فلا ينبغي للمؤمن أن يغتر بكثرة الكافرين و قد قال سبحانه"و إن تطع أكثر من الأرض يضلوك عن سبيل الله"و قال"تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) [الأعراف: 101، 102] "و قال سبحانه"لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهَادُ (197) [آل عمران: 196 - 198] ".
فكثرتهم و تقلبهم في الأرض فتنة و الدليل قائم على أنهم على أعظم الباطل.