قلت (أبو يوسف) : كيفية خلق النار و ماهيتها على التفصيل غير معلومة لنا بل تفاصيل عذابها غير معلوم لنا على وجه الحصر فنسلم بما ورد في الآثار و لا نزيد و لا ننقص.
و قد ورد حديث"اختصمت الجنة و النار "الحديث فظاهر الحديث يخبرنا عن الجنة و النار كأن لهم صفة يعقلون بها و قال سبحانه"إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا و زفيرا"و هنا أيضا ظاهر الآية يدل على غضب شديد تكاد النار تتقطع منه يجعلها تشهق إذا ألقى فيها الكافرين و تغلي بهم و تشتد.
و لا يكفى مجرد أننا لم نعتاد على هذه الصورة في الدنيا دليلا لإنكارها ووصفها بالمجاز لأن مجموع الأدلة يدل على أن للنار صفة تعقل بها و تتغيظ بها على الكافرين زيادة في عقوبتهم و إن كنا لا ندرى التفاصيل.
و قال سبحانه"إن عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا"و قد سُمع أنين الجذع لفراق رسول الله صلى الله عليه و سلم.
و لا شك أن ذلك عقوبة فوق العقوبة و بلاء فوق البلاء و عذاب فوق العذاب فالنار وحدها كافية فما بالك بتلك الصفة العظيمة من بعد القعر و الاستعار و الغيظ الذي يجعلها تكاد تتقطع و فورانها بهم و غليانها و اشتدادها بهم و زمجرتها عليهم إذا رأتهم من مكان بعيد
و هل هناك بلاء فوق أن تسلم لعدوك الذي يتغيط عليك أشد الغيظ؟ و هل هناك عذاب فوق أن يكون عدوك هذا نارا مستعرة متأججة تغلي و تفور؟ فهي نار محرقة تحترق غيظا على أعداء الله فاللهم أجرنا من النار فوا لله لو سلط الله على الكفار كلابا مسعورة لكان عذابا عظيما فما بالك بنار تكاد تتقطع من الغيظ.
فعذاب الله سبحانه يتضاءل بجواره كل عذاب من عذاب الدنيا.
*** و في إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر:
وقرأ"تكاد تميز"بتشديد التاء وصلا البزي بخلفه وأمال بلى بخلفه وحمزة والكسائي وخلف وبالفتح والصغرى الأزرق وأبو عمرو.
و قال أبو حيان: وقرأ الجمهور: {تميز} بتاء واحدة خفيفة، والبزي يشدّدها، وطلحة: بتاءين، وأبو عمرو: بإدغام الدال في التاء، والضحاك: تمايز على وزن تفاعل، وأصله تتمايز بتاءين؛ وزيد بن علي وابن أبي عبلة: تميز من ماز من الغيظ على الكفرة، جعلت كالمغتاظة عليهم لشدة غليانها بهم، ومثل هذا في التجوز قول الشاعر:
في كلب يشتد في جريه. . . يكاد أن يخرج من إهابه
*** و في لسان العرب: الغيْظُ الغَضب وقيل الغيظ غضب كامن للعاجز وقيل هو أَشدُّ من الغضَب وقيل هو سَوْرَتُه وأَوّله.
قلت (أبو يوسف) : و المراد هنا الغيظ الذي هو أشد الغضب.