و قطر الجزء المدرك من الكون أربعة و عشرون ألف مليون سنة ضوئية و هذا قطره و ليس مساحته فما بالك بالجزء غير المدرك من الكون و الكون المدرك لا يدركون كل ما فيه و لا حتى جُله و لا نصفه بل يعلمون عنه القشور الذي ينبغي أن يجعلهم ينكسرون و يخضعون لله العظيم.
*** قال أبو حيان: ومصابيح مطلق الأعلام، فلا يدل على أن غير سماء الدنيا ليست فيها مصابيح.
و قال الرازي: اعلم أن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا، وذلك لأن السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا أو كانت في سموات أخرى فوقها، فهي لا بد وأن تظهر في السماء الدنيا وتلوح منها، فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا مزينة بهذه المصابيح.
قلت: أما أن السماء الدنيا هي التي اختصت بالنجوم و الكواكب أو أنها تقع خارجها أو بعضها في داخلها و البعض الأخر خارجها فهذا مما لا أعلم فيه شيئا من الوحي و مثله لا يقال بالظن بل لا بد فيه من نقل صحيح أو أثارة من علم فالدليل هنا يحتمل الوجهان و لكن سواء كانت تلك الكواكب و النجوم مركوزة في السماء الدنيا أو كانت في السماوات الأخرى فالرسالة قد وصلت و هي عظيم خلق الله و صنعه و أنه سبحانه على كل شيء قدير و ما هذا الكون المرئي إلا يسير في الكرسي و العرش أعظم و هذا الكون المرئي فاق في حده كل خيال و الله أعلم بما لا ندركه و لا نراه و لو أراد الله سبحانه أن يخلق ملايين و بلايين الأضعاف المضاعفة لهذا خلقه و فوق ذلك فلا حد لقدرته سبحانه هذه هي الرسالة التي ينبغي أن يعيها كل موحد بالله سبحانه و صدق الله سبحانه"والسماء بنيناها بأيد و إنا لموسعون".
***"وجعلناها رجومًا للشياطين":
الضمير في جعلناها إما يعود على السماء أو يعود المصابيح و توجية الأول: جعلنا منها، لأن السماء ذاتها ليست يرجم بها الرجوم قاله أبو حيان.
والظاهر عوده على مصابيح ونسب الرجم إليها، لأن الشهاب المتبع للمسترق منفصل عنها، والكوكب قارّ في ملكه على حاله.
فالشهاب كقبس يؤخذ من النار، والنار باقية لا تنقص.
قال بن عاشور: وضمير الغائبة في (جعلناها) المتبادر أنه عائد إلى المصابيح أي أن المصابيح رجوم للشياطين
ومعنى جعل المصابيح رجوما جار على طريقة إسناد عمل بعض الشيء إلى جميعه مثل إسناد الأعمال إلى القبائل لأن العاملين من أفراد القبيلة كقوله تعالى (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) وقول العرب: قتلت هذيل رضيع بني ليث تمام بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
وجعل بعض المفسرين الضمير المنصوب في (جعلناها) عائد إلى (السماء الدنيا) على تقدير: وجعلنا منها رجوما إما على حذف حرف الجر وإما على تنزيل المكان الذي صدر منه الرجوم منزلة نفس الرجوم فهو مجاز عقلي ومنه قوله تعالى (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها) في سورة البقرة ولكنها على جعل الضمير المنصوب راجعا إلى القرية وإن لم تذكر في تلك الآية ولكنها ذكرت في آية سورة الأعراف (واسألهم