*** أما القراءات الأربعة عشر:
فاختلف في تفوت فحمزة والكسائي بتشديد الواو بلا ألف وافقهما الأعمش والباقون بتخفيفها بعد الألف لغتان كالتعهد والتعاهد وأدغم لام هل ترى أبو عمرو وحمزة والكسائي وهشام في المشهور عنه. اه
قال الفراء: وهما بمنزلة واحدة مثل تظهر وتظاهر، وتعهد وتعاهد، وقال الأخفش: {تفاوت} أجود لأنهم يقولون: تفاوت الأمر ولا يكادون يقولون: تفوت، واختار أبو عبيدة: {تَفَوت} ، وقال: يقال تفوت الشيء إذا فات، واحتج بما روي في الحديث أن رجلًا تفوت على أبيه في ماله.
و قال أبو حيان: وحكى أبو زيد عن العربي: تفاوتًا بضم الواو وفتحها وكسرها، والفتح والكسر شاذان.
*** قال في البحر: والظاهر أن قوله تعالى: {ما ترى} استئناف أنه لا يدرك في خلقه تعالى تفاوت، وجعل الزمخشري هذه الجملة صفة متابعة لقوله: {طباقًا} ، أصلها ما ترى فيهن من تفاوت، فوضع مكان الضمير قوله: {خلق الرحمن} تعظيمًا لخلقهن وتنبيهًا على سبب سلامتهن من التفاوت، وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المناسب. انتهى.
*** التحرير: وجاءت جملة (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) تقريرا لقوله (خلق سبع سماوات طباقا)
فإن نفي التفاوت يحقق معنى التطابق أي التماثل والمعنى: ما ترى في خلق الله السماوات تفاوتا. وأصل الكلام: ما ترى فيهن ولا في خلق الرحمن من تفاوت فعبر بخلق الرحمن لتكون الجملة تذييلا لمضمون جملة (خلق سبع سماوات طباقا) لأن انتفاء التفاوت عما خلقه الله متحقق في خلق السماوات وغيرها أي كانت السماوات طباقا لأنها من خلق الرحمن وليس فيما خلق الرحمن من تفاوت ومن ذلك نظام السماوات.
و فالقرآن يؤكد هذه الحقيقة و هى عظمة الخلق و خلوه من أدني خلل و كما أسلفنا من دَرَس علوم الدنيا أقر بذلك و سلم.
و ما أغبى من لا يقر بوجود الخالق و إذا أخبرته أمراته أن الطعام جاء وحده و طهى وحده اتهمها بالخبل فكيف لايرى هذا الأعمى هذا الكون الفسيح؟ و أي شيء يصح في الأذهان إذا أحتاج النهار إلى دليل؟ كيف يكون الكون على هذا القدر من الدقة و الحكمة و الإتقان بلا خالق له من الأسماء و الصفات ما نراه منعكسا في خلقه؟ بل كيف يتسني لعاقل أن يرى الإحكام المتناهي في الصنعة ثم يظن أنه خلق سدى؟ هل يمكن أن يُظن أن الخالق خلق خلقة بغاية الإحكام و الإتقان من خلق أجزاء الذره و إلى خلق السموات و الأرض ثم تركهم هملا على أسوأ الصور يتظالمون و يتحاسدون و يتباغضون و يتقاتلون و يكفرون و يفسقون و يفجرون و لا يدبرهم بنفس الإحكام الذي خلق كل شيء به؟ أوليس هذاا بظن السوء بالله جل و علا؟
*** قال الرازى: الخطاب في قوله: {مَّا ترى} إما للرسول أو لكل مخاطب وكذا القول في قوله: {فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا} .