و هناك من التوازنات التي أجراها الله بمنتهى الدقة ما يحفظ لكل قوامه و حياته توازنات بين الأمم يدفع الله بعضهم ببعض كي لا تهدم الصوامع و المساجد و توازنات في جسم الإنسان و عالم الحيوان و البكتريا و غير ذلك مما لا يحصيه و لا يحيط به إلا عالمه.
و هكذا صفة أفعال الله سبحانه الدقة و الإتقان المتناهي و الإحكام التام في الكون و في التدبير و في التشريع و في كل الأمر.
فأنظر هل ترى في خلق الرحمن من تفاوت ثم أرجع البصر هل ترى من فطور ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا و هو حسير.
فما أعظم خطأ من يتهم الله في قضاءه و قدره أو يود بقلبه لو دبرت الأمور على غير تلك الكيفية و الله خبير و الله غفور رحيم و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون و نسأله سبحانه العافية في الأمر كله.
*** قال بن عاشور: والمقصود منه التعريض بأهل الشرك إذ أضاعوا النظر والاستدلال بما يدل على وحدانية الله تعالى بما تشاهده أبصارهم من نظام الكواكب وذلك ممكن لكل من يبصر قال تعالى (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناهها وما لها من فروج) .
***"خلق الرحمن":
المقصود السماوات أو يشمل ذلك و ما سواه و الأول أظهر فرغم أنه لا تفوت في شيء من الخلق ولا فطور، لكن قوله تعالى فطور و هي الشقوق يوحي أن المقصود السماوات لذا كان من أحوال بداية القيامة انفطار السماء إيذانا بخراب هذه الدنيا و بداية عهد جديد و يمكن أن يكون في ذلك إشارة لباقي الخلق أنه يسير على نفس الناموس فكل مخلوق جار على غاية الإتقان و الإحكام.
و الإضافه إلى اسمه الرحمن تشعر بأن تلك المخلوقات فيها رحمة بالناس.
و هذا من معانى الرحمة و من معانى اسمه الرحمن التي لا ينتبه إليها: أن خلقه سبحانه جاء على صفة فيها أعظم الرحمة بالمخلوقين فقد أعطاهم ووهبهم ليس فقط ما يكفيهم بل ما يتزينون به و يتجملون من الزينة الظاهرة و الباطنه و لو أخبرك الأطباء عن الميكانيكيات الدفاعية في جسم الإنسان التى تتم في كل أجزاء بدنه و ما يشعر بها قط لرأيت الرحمه و لو نظرت إلى الصفة التى خلق الله الخلق عليها من الجمال الظاهر لتنسمت تلك الرحمة و لو نظرت في الكون الفسيح و جمال الطبيعة البديع حولك لشعرت بتلك الرحمة و لو تأملت معاقا نزعت منه نعمة واحدة من النعم التي حازها أغلب الخلق و تعجزه إعاقته و رأيت حال باقي الخلق لأحسست بتلك الرحمة و أنظر للرحمة التي تكون في قلوب الأباء على أبنائهم كي لا يضيعوا و كلما كان الطفل أصغر كانت رحمة والديه و الأخرين به أعظم رغم أن عمره بينهم قصير لكن رحمة وضعها الله في قلوبهم يرحمه بها و أنظر للشهوة التي جعلها الله في قلوب الرجال و النساء لتكون عونا على المودة و الرحمة التي تبنى عليها البيوت السعيدة كيف أن الجسم يعرق في الحر ليلطف العرق درجة حرارته كيف أن الجسم يفرز إفرازات في الخطر تضاعف قوته ليستطيع النجاة كيف و كيف و كيف فالحديث طويل و بسطه يحتاج لمقام أخر و ذهن صافي و قلب حاضر و في ما ذكرنا كفاية و الله المستعان.