فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 262

والثاني: قال صاحب «الكشاف» : {لِيَبْلُوَكُمْ} في معنى ليعلمكم والتقدير ليعلمكم أيكم أحسن عملًا.

** و في التحرير: و (أحسن) تفضيل أي أحسن عملا من غيره فالأعمال الحسنة متفاوتة في الحسن إلى أدناها فأما الأعمال السيئة فإنها مفهومة بدلالة الفحوى لأن البلوى في أحسن الأعمال تقتضي البلوى في السيئات بالأولى لأن إحصاءها والإحاطة بها أولى في الجزاء لما يترتب عليها من الاجتراء على الشارع ومن الفساد في النفس وفي نظام العالم وذلك أولى بالعقاب عليه ففي قوله (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) إيجاز.

*** و لم تنص الآية أن المراد العمل الأكثر بل المراد الأحسن و هو ما اجتمعت فيه الكمية والكيفية التي ترفعه عن غيره فليس المراد الكم فقط و لا الكيف فقط بل ما يحصل باجتماعه منها الأفضلية.

و الأصل في كل عمل كي يكون مقبولا شرطي الإخلاص و المتابعة ثم ينظر بعد ذلك لأعظم الأعمال فالذي يليه و العمل الذي يجتمع فيه الإخلاص و حضور القلب يفوق مثله مما يزيد عليه في الكم في أغلب أحواله إلا لو كانت الزيادة عظيمة و كما أسلفنا الأحسن هو حال النبي صلى الله عليه و سلم و لو كان أرفق بالنفس و أقرب فطريق الجنة مغلق إلا لمن خلفه و طريق الكمال لزوم غرزه حذو القذة بالقذة.

مثال: بكى النبي صلى الله عليه و سلم عند وفاة ابن بنته و قال صلى الله عليه و سلم:"هذه رحمة يجعلها الله في قلب عباده و إنما يرحم الله من عباده الرحماء"و اخبرنا النبي صلى الله عليه و سلم أنه وجد في من كان قبلنا من الأمم من كان يفرح بالبلاء كفرح أحدنا بالرخاء احتسابا للأجر.

فحال النبي صلى الله عليه و سلم أتم و أقرب و هو مراد الله سبحانه منا و لو فعله أحد منا ما كان في فعله نقص و لا تفريط بل هو الكمال في حقه في هذا الابتلاء.

لذلك فيصعب جدا الوصول لهذه الدرجات لغير العلماء العاملين الذين يتقنون الفروق و الفضائل و يقدمون خير الخيرين و يؤخرون شر الشرين عند التعارض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت