*** قال في التحرير: إيماء إلى أنهم يترقبهم عذاب الجوع بالقحط والجفاف فإن مكة قليلة المياه ولم تكن بها عيون ولا آبار قبل زمزم، كما دل عليه خبر تعجب القافلة من (جرهم) التي مرت بموضع مكة حين أسكنها إبراهيم عليه السلام هاجر بابنه إسماعيل ففجر الله لها زمزم ولمحت القافلة الطير تحوم حول مكانها فقالوا: ما عهدنا بهذه الأرض ماء، ثم حفر ميمون بن خالد الحضرمي بأعلاها بئرا تسمى بئر ميمون في عهد الجاهلية قبيل البعثة، وكانت بها بئر أخرى تسمى الجفر (بالجيم) لبني تيم بن مرة، وبئر تسمى الجم ذكرها ابن عطية وأهملها «القاموس» و «تاجه» ، ولعل هاتين البئرين الأخيرتين لم تكونا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
فماء هذه الآبار هو الماء الذي أنذروا بأنه يصبح غورا، وهذا الإنذار نظير الواقع في سورة القلم [17 - 33] "إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة"إلى قوله:"لو كانوا يعلمون".
قال: وقد أصيبوا بقحط شديد بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو المشار إليه في سورة الدخان.
و في أخبار مكة للأزرقي:
وقال بعض أهل العلم: كانت جرهم تشرب من ماء زمزم، فمكثت بذلك ما شاء الله أن تمكث، فلما استخفت جرهم بالحرم، وتهاونت بحرمة البيت وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها سرًا وعلانية، وارتكبوا مع ذلك أمورًا عظاما، نضب ماء زمزم وانقطع، فلم يزل موضعه يدرس ويتقادم وتمر عليه السيول عصرًا بعد عصر حتى غبى مكانه.
وقد كان عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي، قد وعظ جرهما في ارتكابهم الظلم في الحرم واستخفافهم بأمر البيت، وخوفهم النقم وقال لهم: إن مكة لا تقر ظالمًا فالله الله قبل أن يأتيكم من يخرجكم منها خروج ذل وصغار، فتتمنوا أن تتركوا تطوفون بالبيت فلا تقدروا على ذلك.