*** قال الرازي مستدلا بالآية على أن الوعد المقصود إنما هو عذاب دنيوي مهلك:
اعلم أن قوله: {فلما رأوه زلفة} إخبار عن الماضي، فمن حل الوعد في قوله: {ويقولون متى هذا الوعد} على مطلق العذاب سهل تفسير الآية على قوله فلهذا قال أبو مسلم في قوله: {فلما رأوه زلفة} يعني أنه لما أتاهم عذاب الله المهلك لهم كالذي نزل بعاد وثمود سيئت وجوههم عند قربه منهم، وأما من فسر ذلك الوعد بالقيامة كان قوله: {فلما رأوه زلفة} معناه فمتى ما رأوه زلفة، وذلك لأن قوله: {فلما رأوه زلفة} إخبار عن الماضي وأحوال القيامة مستقبلة لا ماضية فوجب تفسير اللفظ بما قلناه، قال مقاتل: {فلما رأوه زلفة} أي لما رأوا العذاب في الآخر قريبا.
قلت أبو يوسف: و قد تقدم في تفسير الآية أن الفعل الماضي قد يساق لأغراض بلاغية أخرى.
قال بن عاشور: وفعل رأوه مستعمل في المستقبل، وجيء به بصيغة الماضي لشبهه بالماضي في تحقق الوقوع مثل"أتى أمر الله" [النحل: 1] لأنه صادر عمن لا إخلاف في أخباره.
و أيضا يمكن الاستدلال بقوله تعالى:"ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء"و لا شك أن القيامة أمر مستقبلي.
*** الآية تجسد مشهد عظيم من مشاهد الآخرة و القرآن العظيم يصف لنا مشهدا مهولا يوشك أصحابه على لقائه ليتحول من السطور إلى الواقع المعاين و كم من حقائق جسدها القرآن و رأيناها في الدنيا حقا واقعا مطابقا للكتاب و الإتيان بالفعل الماضي"رأوه"يصور الأمر كأنه مر وانقضى.
و هذا المشهد الأخروي هو تصوير وقت معاينة الكافرين للعذاب حين اقترابه - و ربما في بعض الأحوال كانت اقتراب الشر أسوء من وقوعه - و قد ذكر القرآن عن حال النار في القيامة"إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا و زفيرا""تكاد تميز من الغيظ".