و ما أعظم تكريم الأخيار أن يذكر الله أن هذه الدنيا إنما خلقت ليبتلى الخلق فيظهر أيهم أحسن عملا و قد اصطفاهم الله لهذه الفضيلة فكأن الدنيا خلقت من أجلهم و لو هانوا فيها و لو أوذوا فيها و لو قتلوا فيها.
و هناك من الخلق من لا ينتبه إلى هذه العلة فيحيا و لا يعلم علة خلق الموت و الحياة كأغلب حال أهل الأرض اليوم يحيون حياة الأنعام و المؤمن لما يعلم علة الخلق يكون له شأن أخر و لو فرط و قصر فهو يؤمن ربه و يعلم بدايته و مآله.
*** و لا شك أن في الآية أعظم الحث على فعل الخير و الاستكثار منه و العمل يحتاج لفقه و ليس الفقيه من يعلم الخير من الشر بل الفقيه من يعلم خير الخيرين و شر الشرين فالدنيا لا تسير دوما كما يشتهى المرء بل قد يتعرض لما لا يريد و تتعارض الواجبات و قد يبتلى بمحرمات يضطر لأحدها و على أفضل أحواله لا بد له من تمييز بين الفاضل و المفضول من الخير فالعمر قصير و الخير كثير و طاقة الإنسان محدودة فالفقه دليل السالك و لا أعني هنا بالفقه الفقه الاصطلاحي الذي هو الأحكام الشرعية العملية بل أعني ما هو أعم و أوسع من ذلك بما يشمل كل أحكام الدين.
و لو عجزت الهمة عن إكمال المعالي ففي الضرب بسهم من كل خير سعة و يسر.
و خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه و سلم و السبيل الوحيد و هو أنفع السبل و السالك بقدر إصابته منه بقدر إصابته للحق فعبادته أفضل العبادة مطلقا و لو زاد غيرها عليها و سنته أفضل السنن مطلقا و هكذا إلا أنه ينتبه أن النبي صلى الله عليه و سلم كانت له من الوظائف ما ليس منها لأحدنا فهو نبي مرسل و قائد للأمة و زوج و والد و مربي و عابد و عالم و مجاهد و غير ذلك من الفضائل و هناك من الوظائف ما كان النبي صلى الله عليه و سلم لا يزيد فيها لا في سراء و لا ضراء و لا فراغ و لا شغل عن حد معين فلا يزاد عليه و هناك من الأعمال ما واظب عليها النبي صلى الله عليه و سلم و هناك ما كان يتغير مقداره بتغير الأحوال و الأشغال و هكذا فيوضع كل في نصابه و يقدم الأهم فالمهم و ليس كل الخلق يلجون من كل الأبواب فمن فتح له في باب من الطاعة فليستعن بالله و كل ميسر لما خلق له.
و من عجز فلا أقل من الدعاء و اللُجأ إلى الله أن يفتح له الباب و أن يعينه على ذكره و شكره و حسن عبادته