فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 262

كالطائرات و نحوها - و لكن الله وحده هو الذي يمسكها فهو خالقها و ملهمها و خالق الأسباب و مودعها منافعها فلذلك لا يمسكها غيره.

و الطائرة تطير و الله سبحانه هو من أمسكها في جو السماء و السفينة تسير على الماء و الله سبحانه من سيرها عليه و الإنسان يسعى و يكد و الله سبحانه وحده يرزقه و يطعمه و يسقيه و الرجل يتداوى و الله وحده يشفيه هو سبحانه خلقه و خلق فعله و خلق الأسباب وأودعها منافعها و أمره بها و أوصله بها لمراده منها و كم من آخذ بالأسباب لم يصل لمراده و الله عليم حكيم.

*** و في الآية فائدة رائعة و نكتة ثمينة و هي أنه ينبغي للمرء ألا يكتفي في أمره بأن ينظر للأسباب بل في كل أمره ينظر إلى ما وراء الأسباب فالأسباب ما هي إلا ستار وراءه قدرة الله سبحانه و إرادته و مشيئته النافذة ما شاءه سبحانه كان و يكون و سيكون و ما لم يشأ لم يكن و لن يكون إلا أن يشاء سبحانه فيتدبر المرء في نفسه و تنقله في أحوال الدنيا و يرى قدرة الله فيه و ربما حرص المرء على أمر و سعى إليه وسعه و لم يوفق له و تعجب من أمره فلما مرت الأيام رأى أن الله صرفه عنه لأنه أراد له خير منه و يتدبر المرء فيما حوله و يعلم أن من وراءه قدرة الله سبحانه و إن كان فيه ما لا يرضاه الله شرعا و لا يأمر به و لا يحبه و لكنه قدره لمصالح أعلى و أعظم و هو الحكيم الحميد و أن الأمر وراءه ما وراءه و لا يقف عند مجرد الشر الحاصل مؤقتا.

فكل موجود هو مراد لله سبحانه إما قدرا و إما شرعا و القدري الذي أوجده الله سبحانه و هو لا يرضاه إنما هو لمصلحة أعلى منه تطغي على مفسدته و لله الأمر من قبل و من بعد.

و الإشارة اللطيفة في قوله تعالى"إلا الرحمن"لبيان أن الأمر يتم على وجه الرحمه و ليس على وجه الملك و الإلهية فقط.

*** و تسلسل الآيات كما أسلفنا لبيات قدرة الله على خلقه من وجوه مختلفة و متباينة و تستمر الآيات التالية لبيان وجوه أخرى حتى يصل الإنسان إلى الاقتناع التام بالدليل على قدرة الله البالغة من كل وجه و ناحية فيقوده ذلك للتسليم التام لربه و الانقياد لشرعه.

فالله سبحانه قادر على إنزال العذاب فلا وجه للأمن من مكره و قد كفروا به و الله سبحانه كم أهلك من القرى الكافرة فلو شكوا في هذا الوعيد فلينظروا بأعينهم إلى هلاك الأمم و قد سلف بسط هذا.

أما الآية التي بين أيدينا ففيها إشارة إلى التأمل في خلق الله و قدرته فيهم حيث ضرب مثالا بالطير الذي يخرق الجاذبية بما ألهمه الله من أسباب ثم أكدت الآية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت