الأول: ذكر سبحانه في النحل أن الطير مسخرات في جو السماء فلا جرم كان إمساكها هناك محض الإلهية وذكر ههنا أنها صافات وقابضات فكان إلهامها إلى كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن.
و الثاني: فسورة النحل رابعة قبل سورة الملك فلما أوقظت عقولهم فيها للنظر إلى ما في خلقة الطير من الدلائل فلم يتفطنوا وسلك في هذه السورة مسلك الإطناب.
*** قال تعالى:"ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون"و قال سبحانه:"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ".
*** قال الرازي: هل تدل هذه الآية على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله قلنا: نعم وذلك لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري للطير.
ثم إنه تعالى قال: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن} فدل هذا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى.
قلت (أبو يوسف) :و في هذه الآية دلالة لأهل السنة و الجماعة في قولهم إن الله سبحانه خلق أفعال العباد و خلق الأشياء بأسبابها فخلق القطع بالسكين و خلق الولد بفعل الوالدين و خلق النبات بالماء و الغيث بالسحاب و هكذا ووجه الدلالة هنا أن الله سبحانه قال"ما يمسكهن إلا الرحمن"و الطير في السماء لا يطير بمعجزة خاصة لا تشمل غيره بل يطير طبقا للسنن الكونية التي أودعها الله في أرضه و لكن الله سبحانه هيأ له تلك الأسباب بما أودعه في خلقته ما يناسب ذلك الأمر الذي أراده الله منه.
و قال نبي الله إبراهيم صلى الله عليه و سلم:"والذي هو يطعمني و يسقين * و إذا مرضت فهو يشفين * و الذي يميتني ثم يحيين"و ذلك بأن هيأ الله له أسباب ذلك و سخرها له و أوصل له رزقه بها و بأن يسر له الشفاء بسببه و هو الذي يميته بأن يتوفاه ملك الموت ثم يحيه بما شاء من الأسباب.
و الخلاصة أن الله سبحانه يخلق الشيء بسببه و الأسباب لا تعارض القضاء و القدر بل هي منه و لو شاء الله لأبطلها فهو خالقها و نسبة الشيء للرب نسبة حقيقية كما في هذه الآية و غيرها و الله أعلم.
و تأمل هنا في المعنى الشرعي الذي تسوقه الآية فالطيور تبسط أجنحتها و تضمها و هي أسباب الطيران -و معلوم أن هذه الأسباب الكونية عامة من أخذ بها سخرها الله له في غالب حال الناس