قال بن عاشور: وجيء في وصف الطير بـ {صافات} بصيغة الاسم لأن الصف هو أكثر أحوالها عند الطيران فناسبه الاسم الدال على الثبات وجيء في وصفهن بالقبض بصيغة المضارع لدلالة الفعل على التجدد أي ويجددن القبض أجنحتهن في خلال الطيران للاستعانة بقبض الأجنحة على زيادة التحرك عندما يحسن بتغلب جاذبية الأرض على حركات الطيران ونظيره قوله تعالى في الجبال والطير: {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} لأن التسبيح في وقتين والطير محشورة دوما.
وأوثر الفعل المضارع في {يقبضن} لاستحضار تلك الحالة العجيبة وهي حالة عكس بسط الجناحين إذ بذلك العكس يزداد الطيران قوة امتداد زمان.
***"ما يمسكهن إلا الرحمن": أي بقدرته قال الزمخشري: وبما دبر لهن من القوادم والخوافي وبنى الأجسام على شكل وخصائص قد يأتي منها الجري في الجو.
قال بن عاشور: وجملة {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ} مبينة لجملة {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ} وما فيها من استفهام إنكار أي كان حقهم أن يعلموا أنهن ما يمسكهن إلا الرحمن إذ لا ممسك لها ترونه كقوله تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ} [الحج: 65] .
وفي هذا إيماء إلى أن الذي أمسك الطير عن الهوي المفضي إلى الهلاك هو الذي أهلك الأمم الذين من قبل هؤلاء فلو لم يشركوا به ولو استعصموا بطاعته لأنجاهم من الهلاك كما أنجى الطير من الهوي.
ومعنى إمساك الله إياها: حفظها من السقوط على الأرض بما أودع في خلقتها من الخصائص في خفة عظامها وقوة حركة الجوانح وما جعل لهن من القوادم وهي ريشات عشر هي مقاديم ريش الجناح وفي الخوافي وهي ما دونها من الجناح إلى منتهى ريشه وما خلقه من شكل أجسادها المعين على نفوذها في الهواء فإن ذلك كله بخلق الله إياها مانعا لها من السقوط وليس ذلك بمعاليق يعلقها بها أحد كما يعلق المشعوذ بعض الصور بخيوط دقيقة لا تبدو للناظرين.
*** قال في البحر: وقرأ الجمهور: ما يمسكهن مخففًا والزهري مشددًا.
*** قال الرازي: قال تعالى في النحل [79] : {أَلَمْ يَرَوْا إلى الطير مسخرات في جَوّ السماء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله} وقال هاهنا: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن} فما الفرق؟
ذكر العلماء وجهان: