حديث ابن عباس في الجنائز مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر منبوذ إلى قوله"فصفنا خلفه وكبر".
والمراد هنا أن الطير صافة أجنحتها فحذف المفعول لعلمه من الوصف الجاري على الطير إذ لا تجعل الطير أشياء مصفوفة إلا ريش أجنحتها عند الطيران فالطائر إذا طار بسط جناحيه أي مدها فصف ريش الجناح فإذا تمدد الجناح ظهر ريشه مصطفا فكان ذلك الاصطفاف من أثر فعل الطير فوصفت به وبسط الجناحين يمكن الطائر من الطيران فهو كمد اليدين للسابح في الماء.
{ويقبضن} :
والقبض: ضد البسط. والمراد به هنا ضد الصف المذكور قبله إذ كان ذلك الصف صادقا على معنى البسط ومفعوله المحذوف هنا هو عين المحذوف في المعطوف عليه أي قابضات أجنحتهن حين يدنينها من جنوبهن للازدياد من تحريك الهواء للاستمرار في الطيران.
قلت (أبو يوسف) : و من نظر في جو السماء رأى الطيور تطير صفوفا منتظمة متراصة ثم تنقبض هذه الصفوف ثم تعود لتنبسط مرة أخرى و هي في انبساطها و انقباضها تُكون أشكال هندسية رائعة و لوحات فنية خلابة يتجلى فيها إعجاز الخالق.
*** قال أبو حيان: وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه ومثله قوله تعالى: {فالمغيرات صبحًا فأثرن} عطف الفعل على الاسم لما كان المعنى: فاللاتي أغرن صبحًا فأثرن ومثل هذا العطف فصيح وعكسه أيضًا جائز إلا عند السهيلي فإنه قبيح نحو قوله:
بات يغشيها بغضب باتر. . . يقصد في أسوقها وجائر
أي: قاصد في أسوقها وجائر.
*** قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل {ويقبضن} ولم يقل: وقابضات؟ قلت: أصل الطيران هو صف الأجنحة لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها.
وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح. انتهى.
قال أبو حيان: وملخصه أن الغالب هو البسط فكأنه هو الثابت فعبر عنه بالاسم والقبض متجدد فعبر عنه بالفعل.