فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 104

لأن المقام هنا مقام لا تفيد فيه الدعوة، بل قد تعين فيه القتال، فالغلظة فيه من تمام القتال، وقد جمع الله بين الأمرين في قوله في وصف خواص الأمة

{أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:29] » [1] .

ومن تأمل دعوة موسى رأى أنه استعمل الحكمة فقال لفرعون في موضع

{هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) } [النازعات:18 - 19] ، وفي هذا الكلام من لطف القول وسهولته, وعدم بشاعته, ما لا يخفى على المتأمل. فإنه أتى بهل"الدالة على العرض والمشاورة, التي لا يشمئز منها أحد, ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس, التي أصلها, التطهر من الشرك, الذي يقبله كل عقل سليم, ولم يقل"أزكيك"بل قال"تزكى"أنت بنفسك. ثم دعاه إلى سبيل ربه, الذي رباه, وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة التي ينبغي مقابلتها بشكرها, وذكرها فقال:"وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى"."

فلمّا علم أنه لا ينجع فيه تذكير قال: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (( (( (( (( (( وَإِنِّي (( (( (( (يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا(102) } [الإسراء:102] ، أي ممقوتا ملقى في العذاب لك والذم واللعنة.

وهذه من الحكمة التي أمر الله بها فتنبه!.

الدَّاعِيَة البَصِير ..

يكثر من الاستشارة

وهو بهذا يهتدي بأمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم - والنبي صلى الله عليه وسلم أكملُ الناس عقلًا، وأغزرهم علمًا، وأفضلهم رأيًا - في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}

[آل عمران:159] .

وبما مدح - سبحانه وتعالى - عباده بقوله - في سورة تسمى: سورة الشورى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى:38] ، وهذا يشمل جميع أمورهم الدينية والدنيوية، الداخلية والخارجية، العامة والخاصة [2] .

(1) تيسير اللطيف المنان (ص 444) .

(2) الرياض الناضرة، والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة والفاخرة (ص:59) للسعدي، تصحيح أشرف بن عبد المقصود، مؤسسة قرطبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت