أصول الدين وكذلك الفروع العامة هي قرابة الخمسة آلاف حديث، ولا بد أن يكون طالب العلم ضابطًا لها عارفًا للصحيح من الضعيف، ويكون أيضًا ملمًا بمعرفة فقه الطبقات الأولى عارفًا بفقه الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، عارفًا أيضًا باختصاص وميزة البلدان بعضها عن بعض، عارفًا لميزة أهل الحجاز ومراتبهم، فيعرف مرتبة التلقي وأن فلانًا يأخذ الفقه من فلان، فنجد مثلًا من المكيين أن سفيان بن عيينة يأخذ من عمرو بن دينار، و عمرو بن دينار يأخذ من سعيد، و سعيد يأخذ من ابن عباس، ونجد في مدرسة مثلًا المدينة أن الإمام مالكًا يأخذ من الجماعة كابن شهاب الزهري و سعيد بن المسيب، ويأخذ عن سعيد و ربيعة و أبي الزناد وهؤلاء يأخذون من الفقهاء ممن كان قبلهم كسالم و نافع وغيرهم، وهؤلاء يأخذون مثلًا من عبد الله بن عمر وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك ينظر إلى مدرسة الكوفيين وكذلك البصريين واليمانيين والعراقيين على وجه العموم والشاميين والخراسانيين ويعرف امتياز كل بلد عن بلد آخر، واختصاص كل أهل بلد في باب دون البلد الآخر، ثم إن أهل البلد منهم من يمتاز لباب دون آخر في الفتيا، وهذا يفيد طالب العلم في أبواب النقد الجرح والتعديل، يستطيع طالب العلم أن يميز أن هذا الراوي قد تفرد بهذا الحديث وهو ليس بمدني، وهذا ينبغي أن يكون في فقه المدنيين، فلما تركوه دل على ما ذكرته ولو كان ثقة، كذلك في أبواب المناسك أن يكون هناك حديث لم يروه مكي على الإطلاق، ولم يؤت به فهو دليل على نكارته، وغير ذلك من مسائل الدين مما يطول الكلام عليه، ولهذا أؤكد أن طالب علم الحديث إذا لم يقرن علم الحديث وعلم العلل بمعرفة الفقه، حقيقة على الطريقة السليمة التي تورد لطالب العلم تمكنًا في أبواب الفقه حقًا فإنه حينئذٍ لا يخرج عن التقليد، وإن زعم أنه ملك آلة النقد أو الجرح والتعديل، أو أراد أن يحكم الحديث فهو مقلد بكل حال، ومن نظر