تحمل أمر ثلاثة فما فوق، ويجب عليه أن يؤديها، وإنما كان الأمر في يده أنها مغلولة يده إلى عنقه فكه بره أو أبقه إثمه، أي: الأصل في ذلك هو الاحتياط والمحاسبة، وليس الأصل في ذلك البراءة، يعني: أن الإنسان كما أن الله جل وعلا يحاسبه في تفريطه في عدم أداء الأمانة يجب عليه أن يحاسب نفسه على ذلك على السواء؛ لأنه مخاطب ومكلف ومأخوذ بالتفريط أولًا؛ لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة، وليست مبنية على المسامحة كما هو متقرر في ظاهر النصوص كتابًا وسنة، وتقدم معنا الإشارة إلى هذا في المحاضرة السابقة فيما يتعلق بحقوق العباد ومظالمهم، وفيما يتعلق بأمر الأموال والأعراض والدماء، وذلك أن الله جل وعلا لا يغفرها لصاحبه، وتقدم معنا أيضًا الإشارة إلى ما يتعلق بحقوق العباد وحقوق البهائم فيما بينها، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها، وليقتصن الله من الشاة القرناء للشاة الجماء) .جاءت الشريعة بضبط نظام الحياة، وضبط ناموسها، وأمر الله جل وعلا بأداء ذلك النظام وفق ما شرعه، وجعل الله سبحانه وتعالى ذلك النظام عبادة يتعبد به الإنسان كما يتعبد الإنسان بركعتين يؤديهما في ليلة ظلماء لا يراه أحد في خلوة؛ لهذا جعل الله جل وعلا الحكم في الناس بالعدل من أداء الأمانة وهو من العبودية المحضة؛ لهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40] ، فأمر بالحكم وفسره بالعبودية، فالمخالف في أمر الحكم قد صرف عبودية لغير الله، سواء لهواه أو لغير هواه بشيء من أمر الدنيا أيًا كان، وهذا تقدم معنا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح في قوله: (تعس عبد الدرهم، وتعس عبد الدينار، وتعس عبد الخميلة والخميصة) إلى آخره، فيه إشارة إلى عبودية تطرأ على الإنسان ربما لا يشعر بها.