الجانب الثاني: وهو جانب الدراية، أن يكون الإنسان من أهل المعرفة في ذلك، فإن الأمة لا يمكن أن تقوى إلا وقد اكتمل فيها الجانبان؛ ولهذا يوسف عليه السلام لما طلب أن يولى خزائن الأرض، قال: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ [يوسف:55] ، ما السبب والعلة في ذلك؟ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] ، حفيظ على ماذا؟ حفيظ على ذلك المال بالأمانة التي أعطاني الله جل وعلا إياها من الإيمان والصدق وخشية إضاعتها، كذلك عليم بإدارة أموال الناس وحقوقهم؛ لهذا أشار إلى الأمرين وهو جانب الحفظ، ومنشأه الضمير، والعلم المراد بذلك الدراية؛ ولهذا ذكر يوسف عليه السلام أن الإنسان حتى لو أراد أن يرشح نفسه لأمر فإنه ينبغي أن يبين الأمرين؛ ولهذا في قصة موسى مع المرأتين وأبيهما ذُكرت وجوه ترشيحه وهي: أنه قوي أمين، وأما أمر الترشح في ذلك، وهو ما جاء في قصة يوسف عليه السلام: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] ، أشار إلى الجانبين بنفسه الذي جاء في قصة موسى عليه السلام، وهو ما يتعلق بضمير الإنسان وأمانته، ومراقبته لأمر الله سبحانه وتعالى. والجانب الثاني: ما يتعلق بالعلم والمعرفة، وهذا ما ينبغي أن ينظر إليه؛ لهذا يجب على المشرعين والذين يسنون أمثال هذه الأمور أن يحرصوا على توفر العلم والدراية والمعرفة فيمن يترشح لهذه المهمة، كذلك أن يحرصوا فيما يتعلق بالأمانة، وألا يترشح لذلك أحد من سواد الناس إلا وقد عرف بأمانته ونزاهته، وأن يرجع في أمر نزاهته وأمانته إلى أهل المعرفة في ذلك، وأهل المعرفة في ذلك إما أن يشهد له بأمر الصلاة وشهودها، وإما أن يشهد له بصدق السريرة وحسن سلوكه في هذا الأمر، فإنه إذا كان من أهل ذلك ظهر للناس، ونحن في مجتمعات عريضة ويشق على الناس أن يتتبعوا الناس بأعيانهم فيعرفوا الأمين من غيره.