الصفحة 3 من 35

وهذا يعني أن الإنسان لا يكلف إذا عجز عن أداء تلك الأمانة إلى غيره، وهذه الاستطاعة ليس مردها إلى ذوق الإنسان وحسه، وليس مردها أيضًا إلى رغباته التي يشغل قلبه شيء منها، فإذا عمر الإنسان قلبه بشيء من لذائذ الدنيا من المال ونحو ذلك، فإنه ربما فرط بالمصالح الأخرى مما يتعلق ببر الوالدين، أو صلة الأرحام، أو حق الجوار ونحو ذلك لأجل درهم أو دينار يطارده يمنة ويسرة؛ لأن قلبه قد عمره بحب الدينار والدرهم، فظن أنه إذا انصرف إلى شيء من الواجبات الشرعية فإن ذلك يفرط أو يفوت عليه حظه من الدنيا، والدنيا حينما يتعلق بها الإنسان تعلقًا زائدًا يفرط في حق الله جل وعلا فيما يقابلها، ولهذا كثير من الناس يقول: إني لا أستطيع أن أفعل كذا وكذا، فإذا محضت تلك الاستطاعة التي ينفيها الإنسان وجد أن ذلك الميزان الذي يرجع إليه قد اختل عنده فاختل في أبواب النتائج، وهذا أمر معلوم، وهذا في جميع الأبواب وجميع الأنواع فيما يصدر من الإنسان أو تقييم الإنسان.

لهذا تجد كثيرًا من الناس حينما يؤمر أو ينهى، أو يحث على فعل شيء أو كف عنه ونحو ذلك يتحجج ببعض الحجج التي هي عند مقياس أهل العقل والنظر لا يمكن أن تستقر على حال مستقيمة، وكثير من الناس مثلًا حينما تتوجه إليه دعوة من الدعوات بإجابة إلى وليمة، أو إجابة إلى كذا فقال: إني مشغول، وإذا أردت أن تقيم ذلك الشغل وجدت أنه شغل ثانوي لا يمكن أن يعطل ذلك الواجب. إذًا: تحجج كثير من الناس عن أداء تلك الأمانة ببعض الكلف التي يظنونها أو يتوهمونها على أكتافهم هي عند التمحيص لا ترفع عن الإنسان الخطاب، ويجب أن يخاطب بالأمر، وأن يخاطب كذلك بالنهي، ويقع العقاب حينئذٍ عليه يوم القيامة؛ لهذا وصف الله جل وعلا بعض المكلفين في الدنيا أنهم يحسنون صنعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت