إن أعظم الأمانات التي وجه الله جل وعلا الخطاب إليها هي الأمانات التي يستقيم بها الدين والدنيا، امتثالًا لأمر الأنبياء، ويليها بعد ذلك مرتبة ما كان من أمر الدنيا محضًا لهذا الضروريات التي جاء الإسلام بحفظها ضرورة: الدين تتصدرها، وتأتي بعد ذلك ضرورة العرض، وضرورة العقل، وضرورة النفس، وغيرها، وضرورة المال، وهذه ضروريات خمسة جاءت الشريعة بحفظها؛ فتقدمت الضرورة الأولى وهي ضرورة الدين على غيرها، وقد يشترك مع أمر الدين جملة من أحكام الشريعة؛ فإن الإسلام اختلف عن غيره من سائر الشرائع، فجاءت شريعة الإسلام لا رهبانية فيها، أي: الانقطاع للتعبد المحض، ومن انقطع للتعبد المحض، فقد خالف نهج محمد صلى الله عليه وسلم؛ لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الناس بالبيع والشراء والمناكحة واللباس، والتمتع من الدنيا عليه الصلاة والسلام، وهذا أمر معلوم، والنصوص في ذلك أكثر وأشهر من أن تذكر كتابًا وسنة، فجاء بأن لا رهبانية في الإسلام، ولا يحبذ الانقطاع التام إلى شيء من العبادات الظاهرة، وترك الدنيا وراء الظهر؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بأن يؤدوا الأمانة إلى من ولاهم الله جل وعلا أمره ممن كان تحتهم، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته) ، يعني: ما من أحد أيًا كانت مرتبته إلا ولديه حظ من الأمانة يجب عليه أن يؤديها، ليست أمانة ذاتية متعلقة بذاته، وإنما أمانة متعلقة بغيره، وهذا أمر عظيم؛ لهذا ساوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين من يتحمل أمانة تتعلق بثلاثة أفراد مع من يتحمل أمانة تتعلق بآلاف أو ملايين الأفراد من الرؤساء والعظماء؛ لهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (ما من رجل يلي أمر ثلاثة فما فوق إلا جاء يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه، فكه بره، أو أبقه إثمه) ، يعني: أن الإنسان في أمر الأمانة أنه يتحملها، وحملها ثقيل ما