إذًا: قد اكتمل فيه الجزء الأول وهو ما يتعلق بالخبرة والحنكة والمعرفة في هذا، لكن من جهة الأمانة فقد يقع فيهم من الفساد، حتى لو وضعت رجلًا جاهلًا لربما أحسن التصرف أحسن منهم، وكانت المظالم هي دون ذلك، والأمة تتخبط بين الأمرين؛ لهذا ينبغي للأمة أن تنظر إلى الجانبين، الجانب الأول: ما يتعلق بأمر الأمانة، وهذا هو الأول الذي ينبغي النظر فيه؛ فالإنسان لا ينتخب أحدًا لمجرد معرفته الذاتية بباب من الأبواب، أو بفن من الفنون ونحو ذلك، وإنما ينبغي أن ينظر إلى مسألة الأمانة، ومراقبة الله جل وعلا في أمر الناس، والناس قد يتباينون من جهة الحذق، قد يكون الإنسان من أهل المهارة والحذق والدراية في أمر الاقتصاد، أو في علم من العلوم كعلم الهندسة، أو علم الكيمياء والفيزياء ونحو ذلك، ولكنه من جهة الأمانة والضمير ضال ومنحرف في هذا، وتجد من الناس من هو متوسط أو أخذ مبادئ في هذه العلوم ونحو ذلك يقدم على غيره لماذا؟ لأن هذا سيأتي بما علمه كما علمه، وذاك سيسقط نصف علمه أو أكثر من ذلك بسبب الأمانة الباطنة التي في قلبه، وقد ضيعها.