الصفحة 18 من 35

والإجارة هي نوع من العمل، وكذلك الإنابة في أمر الأمانة التي ينبغي للإنسان أن يؤديها كما اؤتمنها الإنسان من غير تفريط في ذلك، وقد جاء في روايات بعض السلف من المفسرين في قول الله جل وعلا: (( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ) )، أن المراد بذلك هو العالم بما ولي فيه، وقد جاء أن المراد بذلك أنه ليس ممن ينظر إلى النساء، وقد جاء تفسير ذلك عن عمرو بن ميمون، وكذلك جاء عن محمد بن إسحاق وغيره، وذلك أن أباها قد سألها قال: من أين عرفت أمانته؟ قالت: إنه لما أردت أن أمشي قال: امشي خلفي؛ إنه يوم ريح، وأخشى أن يوصف جسدك لي، قال: ومن أين أخذت قوته؟ قالت: إني رأيته يحمل حجارة لا يحملها العشرة، وفي هذا إشارة إلى الجانبين: إلى جانب صيانة الأمانة وما يتعلق بدين الإنسان، وما يقع في قلبه من الخشية على الأعراض ومراقبة الله جل وعلا في ذلك؛ ولهذا موسى عليه السلام لما أراد أن يذهب معها إلى أبيها، وذلك لأن أباها قد دعاه ليجزيه أجر ما سقى لابنتيه، فحينما ذهب وكان يوم ريح، ومعلوم أن الريح يصف الجسد، ولو كان الثوب فضفاضًا، أو القميص فضفاضًا، وذلك أنه يلتصق بالجسد فربما وصف الجسد فقال: امشي خلفي وصفي لي الطريق، فأدركت أن ذلك من أمر الأمانة الذي بها يحفظ الإنسان العرض ويصونه، كذلك ويحفظ فيه المال، مع أن جانب الرعاية -وهي رعاية البهائم- لا حاجة إلى صون الأعراض فيها، وذلك أن عرض الإنسان مصون في داره، ولا علاقة لذلك المال؛ فإن الإنسان إذا تولى راعيًا على غنم أو ماشية أو نحو ذلك، أو تملك مالًا أو نحو ذلك، فإنه يغدو بتلك الماشية ويرجع فيها، ولا مخالطة له في أمر النساء غالبًا، ولكن لما كان ذلك أمارة إلى غيره، أن الإنسان إذا صان عرض غيره مع التمكين إليه فيما هو من أدق الأمور، فإنه سيزهد ويتورع عما هو أبعد من ذلك واستعملت في ذلك القياس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت