وكما عودناكم نحاول أن ننزل هذا الكلام على واقعنا ومسيرتنا الجهادية المباركة فنقول:
أولًا: إن الذين يجاهدون في سبيل الله ويبذلون وسعهم أن يكون جهادهم على وفق شرع الله تعالى بتعلمهم أحكام وآداب الجهاد وتطبيقهم لها ويعرضون ما جد لهم من حوادث ونوازل على أهل العلم الثقات, فهؤلاء يرجى لهم أن يتقبل الله عملهم, ويثبت لهم أجورهم على ما كان منهم من خطأ غير مقصود, فقد ورد في سبب نزول الآية التي معنا أنه بعد سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه والتي قتلوا فيها ابن الحضرمي وعيَّر المشركون المسلمين بأنهم قاتلوا في الشهر الحرام وأنزل الله قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ) .. وقد ظن الصحابة رضوان الله عليهم أن ليس لهم أجر في هذه الواقعة لما يحتمل أنهم قد أخطئوا فيها فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ذكر الإمام الطبري في تفسيره عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: أنزل الله عز وجل القرآنَ بما أنزلَ من الأمر، وفرَّج الله عن المسلمين في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه -يعني: في قتلهم ابن الحضرمي- فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمعُ أن تكون لنا غزوة نُعْطى فيها أجرَ المجاهدين؟ فأنزل الله عز وجل فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمةَ الله وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) . فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء.
قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد:"وَالْمَقْصُودُ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ حَكَمَ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَلَمْ يُبْرِئْ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ ارْتِكَابِ الْإِثْمِ بِالْقِتَالِ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ بَلْ أَخْبَرَ أَنّهُ كَبِيرٌ يَقُولُ سُبْحَانَهُ هَذَا الّذِي أَنْكَرْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، فَمَا ارْتَكَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ مِنْ الْكُفْرِ بِاَللّهِ, وَالصّدّ عَنْ سَبِيلِهِ وَعَنْ بَيْتِهِ, وَإِخْرَاجِ الْمُسْلِمِينَ الّذِينَ هُمْ أَهْلُهُ مِنْهُ, وَالشّرْكِ الّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ, وَالْفِتْنَةِ الّتِي حَصَلَتْ مِنْكُمْ بِهِ, أَكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ مِنْ قِتَالِهِمْ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ! وَأَكْثَرُ السّلَفِ فَسّرُوا الْفِتْنَةَ هَا هُنَا بِالشّرْكِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) [الْبَقَرَةِ: 193] فَهُمْ أَحَقّ بِالذّمّ وَالْعَيْبِ وَالْعُقُوبَةِ لَا سِيّمَا وَأَوْلِيَاؤُهُ كَانُوا مُتَأَوّلِينَ فِي قِتَالِهِمْ ذَلِكَ أَوْ مُقَصّرِينَ نَوْعَ تَقْصِيرٍ يَغْفِرُهُ اللّهُ لَهُمْ فِي جَنْبِ مَا فَعَلُوهُ مِنْ التّوْحِيدِ وَالطّاعَاتِ وَالْهِجْرَةِ مَعَ رَسُولِهِ وَإِيثَارِ مَا عِنْدَ اللّهِ". انتهى.