الصفحة 84 من 220

وهذا الذي ذكرناه من تأخر النصر والفتح وطول الانتظار لتحقيق الأهداف العامة والكبيرة للمجاهدين لا يمنع أن تكون هناك فتوحات وانتصارات جزئية ومرحلية للمجاهدين تفرح المؤمنين وتثبت المجاهدين وتغيظ الكافرين وتنكي فيهم نكاية عظيمة وحتى قتل واستشهاد بعضٍ من المجاهدين وخروجهم من هذه الحياة من غير أن يروا نتيجة عملهم وجهادهم في هذه الدنيا يعد نصرًا لهؤلاء الشهداء ونصرًا لقيم دينهم الذي ضحوا بأنفسهم من أجل رفعته ومن أجل أن تكون كلمة الله هي العليا! وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده. وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة، ويحفز الألوف إلى الأعمال الجليلة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه! فتبقى حافزًا محركًا للأبناء والأحفاد, وربما كانت حافزًا محركًا لخطى التاريخ كله مدى أجيال ..

أصحاب الأخدود وانتصار العقيدة على الحياة

وهؤلاء المؤمنون الذين ذكرهم الله في قصة أصحاب الأخدود قتلوا جميعًا بالحرق في الأخدود وما تحقق لهم شيءٌ في الدنيا ولكنهم ضربوا أروع الأمثلة في التضحية بالنفس والثبات على الدين الحق فكان هذا انتصارًا لهم ولمبادئ دينهم ولهذا خلد الله تعالى ذكراهم في قرآن يتلى إلى يوم القيامة وليكونوا قدوة حسنة للأجيال من بعدهم.

يقول الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- في قصتهم:"كذلك تنتهي رواية الحادث وقد ملأت القلب بالروعة, روعة الإيمان المستعلي على الفتنة، والعقيدة المنتصرة على الحياة، والانطلاق المتجرد من أوهاق الجسم وجاذبية الأرض. فقد كان في مكنة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم. ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير: معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد! إنه معنى كريم جدًا ومعنى كبير جدًا هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت