عائشة رضي الله عنها: "والله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية"، وكذلك قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [7] ثم إذا كملت المعرفة أورثت جلال الخوف واحتراق القلب ثم يفيض أثر الحرقة من القلب على البدن وعلى الجوارح وعلى الصفات.
فاعلم أن الخوف من الله تعالى على مقامين: أحدهما الخوف من عذابه، والثاني الخوف منه. فأما الخوف منه فهو خوف العلماء وأرباب القلوب العارفين من صفاته ما يقتضي الهيبة والخوف والحذر المطلعين على سر قوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [8] وقوله عزَّ وجلَّ: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) . وأما الأول فهو خوف عموم الخلق وهو حاصل بأصل الإيمان بالجنة والنار وكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية وضعفه بسبب الغفلة وسبب ضعف الإيمان"انتهى كلامه رحمه الله."
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في "مدارج السالكين":"ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخوف وهى من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد قال الله تعالى: (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [9] ، وقال تعالى: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [10] ، وقال تعالى: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) [11] ، ومدح أهله في كتابه وأثنى عليهم فقال: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) ... إلى قوله تعالى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [12] ."
وفي المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله قول الله: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة) ... [13] أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: "لا ياابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه". قال الحسن: عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية والمنافق جمع إساءةً وأمنًا. وقال أبو سليمان: ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب. وقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها. وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق.
الخوف المحمود والتخويف المذموم
والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط! قال أبو عثمان: "صِدْق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرًا وباطنًا". وسمعت شيخ الإسلام ابن