الطائفة المنصورة: وهم المجاهدون لهؤلاء القوم الكافرين ومن كان مع الجهاد والمجاهدين ناصرا ومعينا وباذلًا ما يستطيع لدفع أعداء الله وما على المحسنين من سبيل.
والطائفة الثانية هي الطائفة المخالفة: وهم الصليبيون واليهود والمرتدون ومن تحيّز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام.
والطائفة المخذلة: وهم القاعدون عن جهاد أولئك الأعداء حبًا للدنيا وكراهية للموت والتاركون للقتال باسم الحكمة والمصلحة والسياسة أو تعللا بالعجز الذي هو في حقيقته الكسل والجبن وإيثار الراحة وحب السلامة أو لغير ذلك من الأعذار غير الشرعية, وإن زخرفوها بشيء من معسول الكلمات وموهوها بسوق بعض الأحاديث والآيات والنقولات التي لا تدل على مرادهم فإن الحق أبلج واضح بحمد الله لمن جعل الله له نورًا وآتاه تقواه كما قال الله تعالى: (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) أي مفرّقا آمنوا أو عملوا ببعضه دون بعض, وكما قال تعالى في صفة اليهود المبدلين كتاب الله: (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) .
فلينظر الرجل أيكون من الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة فما بقي قسم رابع, ولقد ثبّت الله طوائف من عباده المؤمنين لما قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل, كما قال تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) .
آثروا الآخرة على الحياة الدنيا والعزة على الهوان فنصبوا نحورهم للمنايا وقالوا نحن لها فصبروا وصابروا عدوهم, فثار النقيع وحمي الوطيس ولم تزل رحى الحرب تدور وتنهل من دمائهم فاستحر فيهم القتل والأسر حتى ظن الناس أن جذوتهم قد انطفأت وأنهم مزقوا كل ممزق وصاروا أحاديث ولكن كذبوا الآن جاء القتال حيث انجلى الغبار عن أمر في موازين أهل الدنيا كُبار, فبان أن تلك الطائفة من المسلمين إنما كانوا يمهدون طريق العز للمسلمين بأشلائهم, ويبنون جسور الفتح بجماجمهم وعظامهم ويسقون شجرة النصر بدمائهم ويشقون سبيل الحرية بأسراهم فبارك الله في سعيهم وجهادهم وبارك الله في آثارهم ودمائهم فأحيوا بحسن بلائهم الأجيال وبثوا في نفوس المسلمين الآمال فقويت قلوبهم واتقدت هممهم وأسقط في يد عدوهم الذي أثخن بالجراح وبدأ يترنح وينتظر بفزع سكين الذباح, فطوبى لمن ضرب بسهم في هذه الغزوة العظيمة, وأراق دمه في سبيل الله, والمحروم الخاسر الذي فاتته المشاركة في هذه الملحمة, ولا يترك الجهاد إلا من سفه نفسه وعصى ربه وأخلد إلى الأرض لأن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة.