كان داعية). وقال القاضي: (وكذلك إن كان مجتهدًا يعتقدها بالدليل كالمعتزلة، والقدرية، والرافضة، لأنهم يكفرون ببدعتهم، وإن لم يكن يظهر بدعته ففي وجوب الإعادة خلفه روايتان:
إحداهما: تجب الإعادة كالمعلن بدعته، ولأن الكافر لا تصح الصلاة خلفه، سواء أظهر كفره أم أخفاه، كذلك المبتدع: قال أحمد: وفي رواية أبي الحارث (لا تصلي خلف مرجئ، ولا رافضي، ولا فاسق، إلا أن يخافهم فيصلي ثم يعيد) . وقال أبو داود: (متى صليت خلف من يقول: القرآن مخلوق، فأعد) ...
والثانية: تصح الصلاة خلفه، قال الأثرم: قلت: (لأبي عبد الله الرافضة الذين يتكلمون بما تعرف؟ قال: نعم، آمره أن يعيد، قيل له: وهكذا أهل البدع، قال: لا، لأن منهم من يسكت، ومنهم من يتكلم، وقال: لا تصل خلف المرجئ إذا كان داعية) . فدل على أنه لا يعيد إذا لم يكن كذلك [1] .
2 -وأما الفاسق من جهة الأعمال: كالزاني، والذي يشرب ما يسكره، فروي عنه أنه لا يصلى خلفه فإنه قال: (لا تصل خلف فاجر ولا فاسق) . وقال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن إمام قال: (أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهمًا، قال: أسأل الله العافية، من يصلي خلف هذا؟ [2] وروي:(لا يصلى خلف من لا يؤدي الزكاة، ولا يصلى خلف من يشارط، ولا بأس أن يدفع إليه من غير شرط) . وقد روي عن أحمد: (أنه لا يصلى خلف مبتدع بحال) . وقال في رواية أبي الحارث: (لا يصلى خلف مرجئ، ولا رافضي، ولا فاسق، إلا أن يخافهم فيصلي ثم يعيد) . وقال أبو داود: قال أحمد: متى ما صليت خلف من يقول القرآن مخلوق فأعد، قلت: وتعرفه، قال: نعم).
قال الشوكاني في (السيل) . قوله: (إلا فاسقًا أو حكمه) . أقول: الفاسق من المسلمين المتعبدين بالتكاليف الشرعية، من الصلاة وغيرها، فمن زعم أنه قد حصل فيه مانع من صلاحيته لإمامة الصلاة مع كونه قارئاَ عارفًا بما يحتاج إليه في صلاته، فعليه تقرير ذلك المانع بالدليل المقبول، الذي تقوم به الحجة، وليس في المقام شيء من ذلك أصلًا، لا من كتاب ولا من سنة ولا قياس صحيح، فعلى المنصف أن يقوم في مقام المنع عند كل دعوى يأتي بها بعض أهل العلم في المسائل الشرعية.
وما استدل به على المنع من تلك الأحاديث [3] الباطلة المكذوبة، فليس ذلك من دأب أهل الإنصاف ... ولكن ليس محل النزاع إلا كونه لا يصلح أن يكون الفاسق ومن في حكمه إمامًا لا في كون الأولى أن يكون من الخيار فإن ذلك لا خلاف فيه.
قلت: الصحيح الفاسق الضعيف المعلن فسقه، كأئمتنا لا يصلى خلفه ولا كرامة -قال ابن قدامة: (وأما قول الخرقي: أو يسكر) .فإنه يعني: من يشرب ما يسكره من أي شراب كان. فإنه لا يصلى خلفه لفسقه، وإنما خصه بالذكر في ما يرى من سائر الفساق لنص أحمد عليه، قال أبو داود: سألت أحمد (وقيل له) : (إذا كان الإمام يسكر قال: لا تصل خلفه البتة، وسأله رجل قال: صليت خلف رجل ثم علمت أنه يسكر أعيد؟ قال: نعم، أعد قال: أيتهما صلاتي؟ قال: التي صليت وحدك؟ وسأله رجل قال: رأيت رجلًا سكران أصلي خلفه؟ قال: لا، قال: فأصلي وحدي؟ قال: أين أنت؟ في البادية؟ المساجد كثيرة قال: أنا في حانوتي قال: تخطاه إلى غيره من المساجد) .
فأما من يشرب من النبيذ المختلف فيه ما لا يسكره معتقدًا أحله فلا بأس بالصلاة خلفه نص عليه أحمد، فقال: يصلى خلف من يشرب المسكر على التأويل نحن نروي عنهم الحديث ولا نصلي خلف من يسكر.
وكلام الخرقي: بمفهومه يدل على ذلك لتخصيصه من سكر بالإعادة خلفه. وفي معنى شارب ما يسكر [4] كل فاسق فلا يصلى خلفه، نص عليه أحمد فقال: (لا تصل خلف فاجر ولا فاسق) . وروي عنه أنه قال: (لا تصلوا خلف من لا يؤدي الزكاة، وقال: لا تصل خلف من يشارط [5] ولا بأس أن يدفعوا
(1) - وعن حبيب بن عمر الأنصاري عن أبيه قال: (سألت واثلة بن الأسقع قلت: أصلي خلف القدري؟ قال: لا تصلي خلفه، ثم قال: أما أنا لو صليت خلفه لأعدت صلاتي) رواه الأثرم.
(2) - يا إمامنا الكريم، يصلي خلفه -للأسف الشديد- كل المغاربة.
(3) - يميل صاحب (البحر الزخار) : إلى عدم إجزاء إمامة فاسق التصريح، وفاسق التأويل، ... فيقول: (فلنا يعني: باطنًا جمعًا بين الأخبار أو يتخذه سترة) (البحر الزخار) (1/ 312) ويرجع إلى بعض الأحاديث التي أشار إليها الشوكاني هناك.
(4) - قلت: وكذا من يتعاطى (الطابة) الشامة والتدخين، لا يصلي خلفه إلا من كان مثله.
(5) - أي: على أجرة الإمامة، كما يفعل أئمتنا في عصرنا، انظر: (المدخل) لابن الحاج ترى ماذا قال: في الصلاة خلف من يشارط.