السموات والأرض، إذ يطلقون على الحكم العثماني"الاستعمار التركي"! ولا يحسون بما في ترديد هذه الكلمة من عبودية للصليبية الصهيونية التي تلوي ألسنتنا فتنطق بالمنكر ضد ديننا وتاريخنا وكياننا ودون أن نحس!
إن المسلم"لا يستعمر"المسلم أبدا ..
وغير المسلم قد يقول -بتعصبه الديني- إن الإسلام بالنسبة له استعمار. وهي قولة بادية التعصب لأن الإسلام لم يكن قط"استعمارًا"في البلاد المفتوحة ولو ظل أهلها على دينهم، لأنه لا يظلمهم، ولا يسلب أقواتهم، ولا يهين كرامتهم، ولا يعتدي على أعراضهم، كما يصنع الاستعمار الدنس في كل مكان تطؤه قدماه.
أما أن يقول المسلم تلك القولة المنكرة عن حاكم مسلم يحكم بشريعة الله، فهي كبيرة تهتز لها السموات والأرض، والرسول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يقول:"اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله تبارك وتعالى" [1] .
يمكن أن يقال إنه حكم ظالم .. بل يمكن أن يقال إنه ارتكب منكرات وفظائع .. أما أن يقال إنه استعمار؟!!
ألا ما أضيع"المسلمين"حين يتخلون عن مفاهيم الإسلام [2] !
سنجد إلى جانب هذه الحسنات كثيرا من العيوب.
أولا: أن العثمانيين كانوا أول خلافة ذات لسان غير عربي، ولم يستعرب. واللسان العربي أمر له أهميته في فهم كتاب الله وفقهه. وقد كان عدم استعراب هذا اللسان معوّقا عن التفقه في هذا الدين رغم الحماسة الظاهرة له.
ثانيا: أن الأتراك -رغم حماستهم المتدفقة للإسلام- لم يكونوا قد تشربوا روحه تماما (ولا ينفي هذا وجود أفراد تشربوا روح هذا الدين بصفاء حقيقي) ولذلك دخلوا فيه محتفظين ببعض نظمهم وتقاليدهم التي كانوا عليها في جاهليتهم قبل دخولهم في الإسلام، كنظام الإقطاع مثلا، وهو نظام دخيل على الإسلام ولا يمكن أن يتقبله [3] . ولكنهم نشروه -بكل مظالمه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية- في ربوع الأرض التي حكموها فيما يمكن أن نطلق عليه للتوضيح"نظام الباشوات".
ثالثا: أنهم -في سبيل الاحتفاظ بوحدة الدولة، وعدم تفككها على أيدي الولاة الطامعين كما حدث في الحكم العباسي -استخدموا نظاما إداريا كانت مساوئه أكثر من حسناته، إذ كانوا يولون الولاة لفترات قصيرة لا تمكّنهم من جمع الأنصار وتأسيس"مراكز قوة"تطمعهم في إمكان الاستقلال بولايتهم عن الدولة، ولكن هذا النظام جعلهم -من جانب آخر- لا يهتمون بأمر الرعية، ويصرفون همهم -في فترة ولايتهم القصيرة- إلى جمع المال، فيزيد هذا من سيئات"نظام الباشوات".
رابعا: أن فيهم -ككل الشعوب العسكرية النزعة- لونا من الشدة عاملوا بها البلاد التي فتحوها، وهي ليست من روح الإسلام الذي لا يفرق بين العسكريين والمدنيين، ويجعل خيلاء العسكرية في ساحة الحرب وحدها، أي على الأعداء لا على أفراد الأمة. وإن كان الحق أنهم استخدموها مع الشعب التركي نفسه، ولكن الأتراك تحملوها لأنهم يشاركون الحكام في نزعتهم العسكرية. أما البلاد المفتوحة فقد رأت فيها لونا من القسوة لم يطيقوه! وكان هذا مما استغله الأعداء في إثارة النعرات القومية وعمليات التفتيت.
خامسا: أنهم -لعدم تفقههم في الدين- رفضوا إعادة فتح باب الاجتهاد الذي كان قد أقفل في نهاية العصر العباسي، لتوهمهم أنه قد قيل في الفقه كل ما يمكن أن يقال ولم يعد من حق أحد أن يضيف جديدًا إليه، فضلا عن كون المحدثين -في نظرهم- لم يكونوا مؤهلين للاجتهاد .. وقد كان هذا من أهم أسباب تجمد الفقه وركوده في وقت كان قد جدّ في حياة الناس ما يستلزم إعادة فتح باب الاجتهاد، للإحاطة بذلك الجديد وضبطه
(1) أخرجه البخاري.
(2) من الواضح أن هذه اللفظة لم تجر على الألسنة إلا في ظل"القومية العربية"التي أثارها نصارى لبنان وسوريا ثم وقع فيها المسلمون العرب بتأثير المؤامرات الصليبية الصهيونية لتفتيت العالم الإسلامي توطئة لاستلاب فلسطين.
(3) يخلط كثير من الناس بين نظام الإقطاع الأوربي Feudalism والإقطاع الإسلامي الذي يرد ذكره في التاريخ الإسلامي بمعنى إقطاع السلطان قطعا من الأرض لبعض الأشخاص لتعميرها ورعايتها، وذلك نتيجة التشابه في اللفظ ولكن المحتوى مختلف أشد الاختلاف. والإقطاع التركي كان قريب الشبه بالإقطاع الأوربي.