الصفحة 100 من 142

قبل أن نتكلم عن بدء الانحسار يلزمنا أن نتعرف على الحجم الحقيقي للوجود الإسلامي في الأرض خلال القرون العشرة التي سميناها فترة"المد الإسلامي"لنعرف ماذا حققت الأمة الإسلامية من الغاية التي أخرجها الله من أجلها، ولنعرف كذلك حجم الخسارة التي خسرتها الأمة بانحسارها عن تحقيق هذه الغاية، وما خسرته البشرية كلها من جراء ذلك الانحسار.

إن هذه الأمة كما قلنا في أول الكتاب لم تُخْرَج لذات نفسها فحسب، وإنما أخرجت لتكون رائدة لكل البشرية وشاهدة عليها:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [1] .

فهي حين تكون ذات وجود فعلي تحقق الخير لنفسها وللبشرية معها. وحين ينحسر وجودها في الساحة فإنها تؤذي نفسها وتؤذي البشرية معها. وكلا الوجهين تحقق في تاريخ هذه الأمة. ففي فترة المد كانت ممكّنة في الأرض، ذات قوة حربية وسياسية وعلمية وحضارية وفكرية تؤكد بها وجودها، وتؤثر بها في العالم المعروف يومئذ، في آسيا وأفريقيا وأوروبا. وفي فترة الانحسار تكالبت عليها قوى الأعداء فأفقدتها مكانتها، وفقدت البشرية في الوقت ذاته النموذج الصحيح الذي تستضيء به، فدخلت في جاهلية عاتية هي التي تحكم الأرض اليوم وتذيقها الوبال.

والتعرف على هذه الحقيقة لازم دائمًا للمسلم الذي يدرس التاريخ الإسلامي. ولكنها أشد لزومًا للمسلم المعاصر من جهتين اثنتين على الأقل، إن لم يكن أكثر.

الجهة الأولى أن الهوان الذي تعيش فيه الأمة اليوم يُنْسي أبناءها قدر هذه الأمة، ووظيفتها التي أخرجها الله من أجلها، إذ يجد المسلم نفسه وأمته في ذيل القافلة، لاهثين ليلحقوا بالركب، فيستصغر قيمة نفسه، بل لا يكاد يصدق أصلًا أنه أدى دورًا تاريخيًا في حياة البشرية، وكان قائدًا لها ورائدًا لمسيرتها.

والجهة الثانية أن هذا الهوان ذاته يُنْسي المسلم المعاصر الهدف الذي يجب أن يعيش من أجله. فليس هدفه أن يلهث ليلحق بركب الجاهلية! إنما هدفه أن يسترد مكان الريادة للبشرية مرة أخرى، ويردّ هذه البشرية الضالة إلى صوابها. ومهما بدا هذا البعد خياليًا في الوقت الحاضر لفرط تخلف الأمة في جميع الميادين، فإنه ينبغي ألا يغيب عن قلب المسلم المعاصر إحساسه برسالته الربانية، ليكون هذا حافزًا له على العمل الجاد ليخرج من تخلفه أولًا، ثم ليعطي من نفسه النموذج الإسلامي الصحيح، الذي يبرز المعاني التي تفتقدها البشرية اليوم، والتي تشقى من أجل افتقادها على الرغم من كل إنجازاتها في عالم الإنتاج المادي والقوة المادية.

ويؤكد لزوم هذه المعرفة بالنسبة للمسلم المعاصر أنه أصبح يعتمد في تقدير نفسه -واعيًا أو غير واع- على رأي أوروبا فيه، ونظرتها إليه! والمراجع الأوروبية -بدافع الحقد الصليي- تصغر عامدة من قيمة الإسلام والأمة الإسلامية، وتمر بتاريخها مرورًا سريعًا كأنه حدث هامشي في تاريخ البشرية! [2] .

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) [3] .

وحين تتحدث المراجع الأوروبية عن الحضارة الإسلامية فإنها -لأمر ما- لا تركز على"القيم"التي بثها الإسلام في الأرض، إنما تركز على الزخارف والعمائر والآثار الحسية، وهذه -مهما تكن عظمتها- لا تحدث في النفس إلا أثرًا عابرًا يزول من لحظته. أما"القيم"-التي يمرون عليها مرورًا عابرًا ولا يركزون عليها- فهي التي تحدث الأثر الباقي في النفس، وتعطي القيمة الحقيقية للحضارة الإسلامية. وهم -بدافع الغرور الأوروبي، من ناحية، والحقد الصليبي من ناحية أخرى- لا يحبون أن ينسبوا أي قيمة باقية لغير الحضارة الأوروبية، وجذورها الإغريقية الرومانية القديمة.

لكل هذه الأسباب يلزم التأكيد على قيمة ما أنجرته هذه الأمة في فترة المد الإسلامي وأثره على البشرية، وكذلك على مدى الخسارة التي خسرتها الأمة في فترة انحسارها، وخسرتها البشرية كلها كذلك.

إن أعظم ما أهدته هذه الأمة"للناس"-كما أشرنا من قبل- هو التوحيد، بكل ما يحمل من معان وقيم وأخلاقيات [4] ..

(1) سورة البقرة: 143.

(2) خذ على سبيل المثال الموسوعة التاريخية التي يشرف على تحريرها"هامرتن"بعنوان"تاريخ العالم"وكتاب"ويلز"معالم تاريخ الإنسانية"وكتاب"ول ديورانت""قصة الحضارة"وغيرها وغيرها كثير."

(3) سورة الأحقاف: 11.

(4) راجع فصل"الإسلام"في أول الكتاب ص49 -ص66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت