الصفحة 66 من 142

هذه الفترة من تاريخ الإسلام، التي امتدت في الزمن قرابة عشرة قرون، من القرن الأول إلى القرن العاشر الهجري، وامتدت في الأرض فشملت قسما كبيرا من أفريقيا، وجزءا عظيما من آسيا، وجزءا غير قليل من أوربا، أشد حاجة إلى المراجعة والتمحيص وتصحيح المنهج من الفترة السابقة، وذلك لاعتماد المؤرخين المحدثين فيها على كتب المستشرقين أكثر من السابقة.

وإذا كنا قد رأينا أن الفترة السابقة، التي يعتمد فيها هؤلاء المؤرخون اعتمادا أكبر على المصادر الإسلامية الأصيلة، لم يخل ما كتب عنها من ثغرات، وأنها في حاجة إلى إضافات ومراجعات، فهذه الفترة أولى أن نجد فيما كتب عنه ثغرات أوسع، ونجدها في حاجة إلى مراجعات أشمل.

وقد سبق أن أشرنا في الفصل السابق إلى الإيحاءات التي تُعطى للدارس -بحسن نية أو بسوء نية- من أن الإسلام قد انتهى بعد فترة صدر الإسلام، ولم يعد له وجود فاعل في الأرض، وأن الحكم بما أنزل الله لم يطبق بعد الخلفاء الراشدين.

وتجد كثيرا من الناس، من المثقفين خاصة، يهزون رءوسهم -أسفا إن كانوا من الطيبين- وسخرية- إن كانوا ممن أفسد الغزو الفكري قلوبهم وأرواحهم- ويقولون لك: الإسلام؟! أين هو الإسلام؟! لقد انتهى منذ عصر الخلفاء الراشدين!

فأما الذين يتحذون بحسن نية، فهؤلاء هم الذين يلمؤهم الإعجاب بالعصر الذهبي للإسلام، عصر التطبيق الصحيح لكل مفاهيمه، الذي كان المجتمع فيه -بصفة عامة- يسير على الجادة، ويكتب أروع سطور التاريخ، والحكام يلتزمون بما أنزل الله، فيتعاون الحكام والمحكومون على تسطير تلك الصفحة الرائعة من صفحات التاريخ البشري .. يملؤهم الإعجاب بهذا العصر، فيصدمون بما حدث بعد ذلك من انحراف، ويقولون -بحسن نية- قولتهم تلك التي يغمرها الأسف على ضياع تلك الصورة الوضاءة التي كانوا يتمنون لها الاستمرار عبر القرون.

وأما الذين يتحدثون بسوء نية فهم يستغلون ما حدث من انحراف في التطبيق -في سياسة الحكم بصفة خاصة- ليشفوا حقدهم على الإسلام، وليخذلوا الداعين إليه، بتلك القولة التي يتظاهرون فيها بأنهم أصحاب عقلية"علمية"لا تصدر عن اندفاع في العاطفة ولا سطحية في التفكير!

وهؤلاء وهؤلاء في حاجة إلى وقفة علمية صحيحة هادئة، يراجعون فيها الحصيلة الواقعية لذلك التاريخ.

تشمل تلك الفترة كما قلنا قرابة عشرة قرون من الزمن، وبقعة واسعة من الأرض، منها ما بقي فيه الإسلام حتى اليوم، ومنها ما انحسر عنه -في أوربا خاصة- وتشمل في التاريخ السياسي الخلافة الأموية كلها، والخلافة العباسية كلها، وقسما من الخلافة العثمانية التي بدأ في عهدها الانحسار .. وتشمل كذلك أعرض تاريخ لأية أمة من أمم الأرض في التاريخ كله، برغم ما فيها من هزات وذبذبات، ورغم الانحرافات التي ظلت تتزايد حتى أودت بدولة الإسلام.

والأسماء والوقائع والشخصيات في هذه الفترة المديدة أضخم من أن تحصى. وتلك إحدى مصاعب الدراسة التفصيلية فيها. إذا أضيف إليها تداخل التقسيمات السياسية في الزمن وفي الأرض، والتداخل العقدي والفكري والحضاري في كل فترة تقريبا من فترات ذلك التاريح.

وقبل الدخول في الحديث عن التصحيحات والمراجعات الخاصة بالمنهج، تقول إنه ربما أمكن تيسير هذه الصعوبة الدراسية -ولو بقدر- لو أننا عممنا استخدام الأطالس التاريخية المقسمة إلى فترات زمنية متقاربة- خمسين سنة مثلا لكل فترة، تزيد أو تنقص- فيكون لدينا ما يقرب من ثلاثين خريطة للتاريخ الإسلامي كله، يبين في كل خريطة منها مدى انتشار الإسلام في الأرض، والدولة الحاكمة في كل بقعة من الأرض الإسلامية، وتاريخ تأسيس الدولة الحاكمة وتاريخ انتهائها، مع تخصيص خريطة قائمة بذاتها لكل واحد من الخلفاء الراشدين.

ونضرب أمثلة توضح طريقة العمل في هذه الأطالس ..

الخريطة الأولى للخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه، يكون عنوانها: الخليفة الراشد الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه من 11 - 13هـ. ويرسم فيها العالم الإسلامي القائم يومئذ مع أجزاء من الأرض المجاورة التي لم يكن الإسلام قد وصل إليها بعد. ثم يلون القسم الخاص بالعالم الإسلامي باللون الأخضر مثلًا، وتترك بقية الأرض بغير تلوين، فتستطيع عين الرائيي أن تميز لأول وهلة حدود العالم الإسلامي في عهد أبي بكر رضي الله عنه.

والخريطة الثانية والثالثة والرابعة على ذات النسق، واحداة لكل من الخلفاء الراشدين بعد أبي بكر، بتواريخ حكم كل واحد منهم، مع إضافةٍ بظلٍّ خاص في خريطة علي رضي الله عنه تبين منطقة النزاع بينه وبين معاوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت