الصفحة 21 من 142

كل الدراسات التي تتناول الإسلام تبدأ بالحديث عن الجاهلية السابقة عليه. وهذا أمر طبيعي ومنطقي. فلا بد من دراسة البيئة التي نشأ فيها الإسلام، وردود الفعل التي حدثت تجاه الإسلام في تلك البيئة، والتغير الهائل الذي أحدثه الإسلام فيها.

ولكن معظم الكتب المعاصرة الموجودة في أيدي الدارسيين -وأقصد جميع الدارسين من تلميذ الابتدائية إلى طالب الجامعة المتخصص- لا تعرض الجاهلية عرضًا وافيًا وإن أفاضت وفصلت. ذلك أنها تعرض مظاهر الجاهلية أكثر مما تعرض جوهر الجاهلية، كما أنها تعرض الجاهلية العربية كحدث قائم بذاته، لا كظاهرة بشرية عامة في غيبة الإسلام.

وينشأ من ذلك قصور كبير في تصور الجاهلية والإسلام كليهما، يؤثر في نظرة الدارس إلى كثير من الأمور في الماضي والحاضر والمستقبل.

وسواء كان هذا مقصودًا -ونرجح أنه كذلك- أو كان قصورًا حقيقيًا في النظرة، فإنه ينبغي على أي حال أن يصحح، لكي نفهم حقيقة الدور التاريخي الذي قام به الإسلام بالنسبة للمسلمين، والذي يمكن أن يؤديه للبشرية كلها على امتداد الزمان.

يقول عمر -رضي الله عنه-: لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية! وهي قولة صادقة واعية حكيمة، صدرت عن بصيرة وخبرة. وقد كان عمر -رضي الله عنه- يتحدث عن تجربته الذاتية، ليصف مدى التحول الهائل الذي حدث في نفسه ونفوس من حوله حين تحولوا من الجاهلية إلى الإسلام. ولكنها قولة تصدق على التاريخ كله وعلى البشر جميعًا .. لا يتبينون حقيقة الإسلام حتى يتبينوا حقيقة الجاهلية ..

وقد كانت هناك عبارة تقليدية في المناهج التي وضعها دنلوب تقول: كان العرب في الجاهلية يعبدون الأصنام، ويئدون البنات، ويشربون الخمر، ويلعبون الميسر، ويقومون بغارات السلب والنهب .. فجاء الإسلام فنهاهم عن ذلك!

ولقد كانت هذه العبارة مقصودة في مخطط القسيس الذي جيء به في عهد الاحتلال الصليبي البريطاني ليضع المناهج التعليمية لمصر الإسلامية، ليبعدها عن حقيقة الإسلام .. ولكنها بقيت من بعده، وانتقلت إلى أكثر من قطر من أقطار العالم الإسلامي، تؤدي في كل مرة دورها الخبيث!

وكان القصد من هذا التصوير القاصر هو الإيحاء بأن الإسلام قد استنفد أغراضه، ولم يعد له دور يؤديه للمسلمين ولا لبقية البشرية!

فحين يلتفت الدارس المسلم حوله، فلن يجد الأصنام الحسية التي كانت الجاهلية العربية تتعبدها (وقد أخفيت عن حسه عبادة الأوثان بمعناها الواسع الذي يشمل الحسّي والمعنوي من المعبودات، كما أخفى عن حسه الدور الذي يمكن أن يؤديه الإسلام مع عبّاد الأصنام الحسية ذاتها في واقع الأرض الحالي، وهم لا يقلون عن نصف البشرية!) .

ولن يجد أحدًا يئد البنات، بل يجد البنات مدللات، لاهيات لاعبات! ولن يجد غارات السلب والنهب، ففي البلاد حكومات منظمة وشرطة ونيابة وقضاء تحول دون حدوث هذه الغارات. أما الخمر والميسر فلا حيلة فيهما! فقد حرمهما الدين حقًا، ولكن الناس تقع فيهما رغم التحريم! (ههذا إن لم نقل إن"التطور"قد غير النظرة إليهما كما غير النظرة إلى الفاحشة، فأصبحت كلها داخلة في حدود"الحرية الشخصية"التي ليس لأحد أن يتدخل فيها!) .

وهكذا يكون الإسلام قد استنفد أغراضه ولم يعد له دور يؤديه!

وعلى غير وعي منا ما زلنا نردد ما أراد لنا دنلوب أن نرده -بصورة أو بأخرى- فيؤدي نفس الأهداف التي قصد إليها!

إنه لا بد لنا أن نعرف الجاهلية على حقيقتها لكي نعرف الإسلام على حقيقته، ونعرف دوره في حياة البشرية. والبحث العلمي المجرد يفرض علينا -حتى لو لم نكن مسلمين- أن نتحرى الدقة في مفاهيمنا وتعريفاتنا، ولا نتقبل التفسيرات المبتورة ولا الدراسة السطحية. فكيف وحياتنا كلها ينبغي أن تكون قائمة على الإسلام ومستمدة منه، ودراستنا للتاريخ الإسلامي هي جزء من واجبنا للتعرف على حقيقة هذا الدين؟!

استخدم العرب"الجهل"ومشتقاته في معنيين اثنيين، الجهل الذي هو ضد العلم، وهو حالة عقلية، والجهل الذي هو ضد الحلم، وهو حالة نفسية وسلوكية. ولكنهم لم يستخدموا لفظ"الجاهلية"ولم يرد في أشعارهم ولا كلامهم، إنما ورد استخدامه في القرآن الكريم أول مرة في وصف الحال التي كان عليها العرب قبل الإسلام ..

ومما ورد في المعنى الثاني في كلام العرب قول عمرو بن كلثوم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت