ألا لا يجهلنّ أحدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا!
أي نغضب غضبًا شديداُ فنقاتل بحمية لا نبالي من أصبنا، ولا نقف عند الضوابط التي تحكم سلوكنا في حال الحلم.
وقول الصمة بن عبد الله القشيري:
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معاَ!
أي أن الشاعر يشكو من أنه لم يستطع ضبط انفعالاته بالضوابط السلوكية التي يرى أنها من شيم الرجال أمثاله، والتي يعتبر الخروج عليها"جهلًا"أي مخالفة للواجب الذي ينبغي اتباعه، وهو كتمان الأسى واللوعة وعدم الظهور بهما أمام الناس.
إذا كان المعنيان اللذان استخدم العرب فيهما لفظ الجهل هما: الجهل ضد العلم، ولجهل ضد الحلم، فإن الجاهلية ومشتقاتها قد وردت في كتاب الله في معنيين كذلك، ولكنهما معنيان اصطلاحيان. والمعنى الاصطلاحي القرآني يدخل في إطار المعنى العام، ولكنه يختص بمعنى معين لا يفهم بذاته من اللفظ إلا باستخدام القرآن له. وبعد أن يكتسب اللفظ معناه الاصطلاحي لا يعود السامع ينصرف ذهنه إلى المعنى اللغوي الذي كان للفظ من قبل -وإن كان المعنى الاصطلاحي داخلًا في المعنى العام كما أسلفنا- إنما ينصرف الذهن مباشرة إلى المعنى الجديد. كلفظ الصلاة والزكاة والإيمان والكفر وغيرها مما ورد في كتاب الله بمعنى معين يخصص المعنى العام.
فالصلاة في اللغة هي الدعاء. ولكن معناها الاصطلاحي في القرآن هو هذه الهيئة المعينة التي يقف فيها المصلي متجهًا إلى الكعبة، يركع ويسجد ويقرأ ويكبر ويسبح.
والزكاة في اللغة هي الطهارة والنماء. ولكن معناها الاصطلاحي في القرآن هو ذلك القدر الذي يخرجه الغني من ماله -بنسبه الشرعية المقررة- ليردّ على الفقراء.
والإيمان في اللغة هو التصديق. ولكن معناه الاصطلاحي في القرآن هو الإيمان بأن الله واحد لا شريك له، وعبادة الله وحده بلا شريك، والتسليم لما جاء من عند الله .. إلى آخر مقتضيات الإيمان المعروفة.
والكفر في اللغة هو التغطية أو الجحد. ولكن معناه الاصطلاحي في القرآن هو إنكار وجود الله سبحانه وتعالى، أو عدم التسليم بوحدانيته، أو إنكار شيء مما جاء من عند الله ..
والجاهلية -وإن لم ترد نصًا في كلام العرب- معناها الجهل الشديد. ولكن معناها الاصطلاحي في القرآن هو إما الجهل بحقيقة الألوهية (وهو الحالة العقلية) وإما اتباع غير ما أنزل الله (وهو الحالة النفسية السلوكية) كما يبدو في هذه الأمثلة من آيات الكتاب المبين:
(1) (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [1] .
فالجهل هنا هو الجهل بحقيقة الألوهية، التي دفع بني إسرائيل أن يطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا صنمًا محسوسًا يرونه ويلمسونه ويتعبدون إليه. ولو علموا أن الله الخالق ليس كمثله شيء، وأنه لا تدركه الأبصار، ما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهًا ينحته بيده!
(2) ( .. يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ) [2] .
يظنون أنه في الإمكان أن يكون لأحد من الأمر شيء مع الله! ولا يدركون أن الله هو الذي يدبر الأمر وحده بلا شريك، وأنه لا يكون من الأمر إلا ما يشاء الله سبحانه. فالجهل هنا متعلق بصفة من صفات الله وهي الهيمنة المطلقة التي لا يشاركه فيها أحد من خلقه.
(3) (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [3] .
(1) سورة الأعراف: 138.
(2) سورة آل عمران: 154.
(3) سورة هود: 45 - 46.