والجهل الذي يحذّر نوح من الوقوع فيه هو سؤاله عن أمر يتعلق بما قدره الله من غرق ولده على الكفر، وقد كان نوح يتوقع أن يكون ولده من الناجين، وهو من أقرب أهله إليه، يدفعه إلى هذا السؤال ما يحسه من اللوعة والأسى على فراق ولده الذي غرق .. فيعلمه ربه أن القرابة ليست قرابة الدم ولكنها قرابة العقيدة. فإذا انفصمت رابطة العقيدة فإن ابنه الذي هو من صلبه لا يعود من أهله، لأنه عمل غير صالح. والجهل المذكور في الآية، الذي يحذّر نوح من الوقوع فيه هو جهل متعلق بشأن من شئون الله، وبصفة من صفات الله سبحانه وتعالى: أنه سبحانه هو الحق، وكل ما يقضي به سبحانه فهو حق.
(4) (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) [1] .
فالجهل الذي يخشى يوسف عليه السلام أن يقع فيه هو مخالفة أمر الله، والوقوع فيما حرم الله.
(5) (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) [2] .
ففي الجاهلية كانت النساء يتبرجن مخالفات لأمر الله الذي أمر بعدم إبداء زينة النساء إلا لمحارمهن.
(6) (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [3] .
فحكم الجاهلية هو كل حكم غير حكم الله، أي هو اتباع غير ما أنزل الله.
وهكذا حيث وجدنا في القرآن لفظ الجاهلية ومشتقاتها، أو اللفظ المرادف"لا يعلمون" [4] فلن تخرج عن أحد هذين المعنيين الاصطلاحيين: الجهل بحقيقة الألوهية، أو عدم اتباع ما أنزل الله.
وعلى ذلك يتحدد لنا جوهر الجاهلية .. سواء الجاهلية العربية أو أي جاهلية غيرها في التاريخ البشري.
إن الجاهلية ليست محصورة في عبادة الأصنام ووأد البنات وشرب الخمر ولعب الميسر وغارات السلب والنهب ... إنما هذه كلها كانت"مظاهر"الجاهلية في الجزيرة العربية قبل الإسلام. أما الجاهلية ذاتها فهي الجوهر الذي تصدر عنه هذه المظاهر، وقد تصدر عنه مظاهر مختلفة تمامًا في مكان آخر أو زمان آخر كما حدث بالفعل خلال التاريخ. ولكن الجوهر هو الجوهر في جميع الحالات: الجهل بحقيقة الألوهية واتباع غير ما أنزل الله.
هذا الجوهر هو حالة عقلية تجهل الحق وتتمسك بالخرافة، وحالة نفسية ترفض الاهتداء بهدي الله، ووضع تنظيمي سلوكي يرفض اتباع منهج الله. وهو ظاهرة بشرية تحدث للبشر في أي مكان أو زمان لا يكون الإسلام هو الحاكم في تصورات الناس ومشاعرهم وواقع حياتهم، وليس منحصرًا في زمان ولا مكان ولا بيئة ولا وضع اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي أو حضاري معين. فكما أن الإسلام يمكن أن يوجد في أي زمان ومكان وبيئة حين يعبد الناس الله حق عبادته ويتبعوا شريعته -كما حدث في واقع الأرض على يدم آدم ونوح والنبيين من بعده- فكذلك الجاهلية يمكن أن توجد في أي زمان أو مكان أو بيئة أو وضع، حين يرفض الناس الاهتداء بهدي الله ويتبعون غير منهج الله. وقد وجدت بالفعل في عصور شتى وأماكن شتى وبيئات شتى، ذكر القرآن منها الجاهلية الفرعونية، وجاهلية قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم تبع وغيرهم، ولكن القرآن لم يذكر كل الجاهليات على سبيل الحصر، كما لم يذكر كل الرسل الذين أرسلوا لتلك الجاهليات على سبيل الحصر، بل قال سبحانه:
( .. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ .. ) [5] .
ولا بد لنا -كما قلنا- أن نبين للدارسين جوهر الجاهلية بوضوح لا غبش فيه، بيانًا للحقيقة العلمية أولًا، وتجلية للغموض الذي يغشى أفكار الدارسين حين يظنون أن الجاهلية حالة مفردة وجدت في الجزيرة العربية قبل الإسلام ولو توجد في غيرها .. ولن تعود!
يقول ابن تيمية رحمه الله:
(1) سورة يوسف: 33.
(2) سورة الأحزاب: 33.
(3) سورة المائدة: 50.
(4) يقول تعالى: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) [سورة البقرة: 193] .
(5) سورة النساء: 164.