الصفحة 136 من 142

لا ينتهي عمل المؤرخ عند اللحظة التي يعيش فيها، إنما يمد بصره دائمًا إلى المستقبل فيتصوره على صورة من الصور، سواء أفصح عنها في كتابته أم أضمرها في نفسه.

والمستقبل غيب لا يعلمه إلا الله:

(قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [1] .

ولكن لله سننا تجري في حياة البشر يستقرئها من أراد أن يستقرئها، لا رجمًا بالغيب، ولا يقينًا بأن شيئًا معينًا مما تصوره سيحدث في المستقبل القريب أو البعيد، إلا أن يكون وحيًا من عند الله في كتابه المنزل أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

والمؤرخ المسلم يتطلع إلى جولة ممكّنة للإسلام في المستقبل، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أخبر عن ذلك:

"لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود" [2] .

هل نستطيع أن نرى بوادر هذه المعركة فيما يحدث اليوم على أرض فلسطين وفي داخل العالم الإسلامي؟

اليهود يتجمعون من فجاج الأرض على أرض المعركة، والمسلمون يستيقظون بعد سبات عميق .. ؟

ربما .. والغيب عند الله؛ هو الذي يعلم على وجه اليقين متى تقع المعركة، وهل هذا التجمع من قِبَل اليهود واليقظة من جانب المسلمين هي التي ستؤدي إلى المعركة الفاصلة، أم تجمع آخر ويقظة جديدة؟!

عبرة الحديث على أي حال ليست في معركة محلية تقع بين المسلمين واليهود في فلسطين، حددتها بعض روايات الحديث:"أنتم شرقي النهر وهم غربيه"فالأمر أكبر من ذلك بكثير، وأخطر من ذلك بكثير.

إن اليهود اليوم مسيطرون في كل الأرض .. إلا ما رحم ربك [3] . فإذا وقعت الواقعة وانتصر المسلمون ذلك النصر الحاسم الذي وعد به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلن ينحصر أثر الواقعة في أرض فلسطين التي تدور فيها المعركة، ولكنه يمتد إلى سلطان اليهود في كل الأرض، فإنهم لا ينهزمون تلك الهزيمة الحاسمة ثم يبقى لهم في الأرض ما لهم اليوم من سلطان ..

وعندئذ تتغير قيادة البشرية ..

إن الواقع البشري اليوم -كما أسلفنا- هو حصيلة انحسار الأمة الإسلامية عن الساحة.

من هذا الانحسار برزت أوربا الجاهلية، ومن الثغرات التي أوجدها نفور أوربا من الدين نفذ اليهود ثم سيطروا على الأرض. ووقع ذلك كله حسب السنة الربانية، وحسب وعد الله ووعيده [4] .

واليوم تحدث بوادر تدل على أن الصورة في طريقها إلى التغير. ولكن التغير في التاريخ البشري لا يحدث بين يوم وليلة، إلا أن يكون قدرًا خارقًا من عند الله. أما السنة الجارية فالزمن فيها بطيء الجريان:

(1) سورة النمل: 65.

(2) أخرجه مسلم.

(3) اقرأ إن شئت فصل"السيطرة العالمية لليهود"في كتاب"رؤية إسلامية".

(4) فصلت الحديث عن هذا الأمر في كتاب"رؤية إسلامية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت