الصفحة 137 من 142

(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) [1] .

لقد بدأت بودار الانهيار في الدولة العثمانية منذ القرن الثاني عشر الهجري. ولكنها عاشت قرنين من الزمان قبل أن يحدث الانهيار الأخير. واليوم تبدو بوادر الانهيار في الجاهلية المعاصرة، ولا يعلم أحد على وجه اليقين متى يحدث الانهيار ..

أما وقوعه -حسب السنة الربانية- فأمر محتوم. فهذه الجاهلية تحمل في أطوائها كل جراثيم الأمراض التي تفتك بالبشرية: الكفر بالله واليوم الآخر، والظلم والعدوان، والفساد الخلقي، والصراع المدمر .. والقلق والجنون والأمراض النفسية والعصبية ..

صحيح أنها تحمل إيجابيات كثيرة أشرنا إليها من قبل، ومن شأن هذه الإيجابيات أن تبطئ الانهيار حسب سنة من سنن الله:

(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) [2] .

ولكن الانهيار سنة محتومة ما لم يفيء القوم من غيهم ويرجعوا اإلى الله:

(فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا [3] بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [4] .

وحين تنهار هذه الحضارة الجاهلية فما البديل؟ البديل الذي يُصْلح، لا الذي يزيد الفساد!

إن البديل الذي نتحدث عنه ليس انتقال مركز القوة من إحدى الدول الجاهلية إلى دولة أخرى كما كان الصراع قبل ظهور الإسلام بين الجاهلية الفارسية والجاهلية البيزنطية، وكما يمكن أن يحدث اليوم بين أمريكا والكتلة الأوربية، أو بين أمريكا وألمانيا بالذات، أو بينها وبين الصين أو اليابان .. كلها -في المصطلح القرآني- جاهليات.

إنما البديل الذي نقصده هو الذي يغير المنهج الفاسد الذي تعيش عليه الجاهلية المفتونة بعلمها وقوتها اليوم، ويستبدل به منهجًا صحيحًا يشفي ما حل بالبشرية المنتكسة من أمراض ..

منهج يصحح فكرة الإنسان عن نفسه. إنه ليس حيوانًا متطورًا كما زعمت الداروينية، ولكنه إنسان .. إنسان يشتمل على جسد وروح. والجانب الروحي فيه هو أثمن ما فيه، وأعلى ما فيه، وإن كان لا ينفصل أبدًا عن الجانب المادي فيه.

ويصحح فكرة الإنسان عن الحياة. إنها ليست مجرد لهو وزينة وتفاخر بين الناس وتكاثر في الأموال والأولاد كما تراها الجاهلية. إنما هي تجربة هائلة لابتلاء ذلك"الإنسان": هل يستطيع أن يحفظ توازنه بين جواذب الجسد وهواتف الروح؟ بين المتاع والنظافة؟ بين الأهداف القريبة والقيم العليا؟ ثم إن حياة الإنسان لا تنتهي بانتهاء عمره المحدود على الأرض، وإلا كانت عبثًا، إنما يبعث الناس يوم القيامة ليحاسبوا على أعمالهم في الحياة الدنيا .. وهناك تصل التجربة إلى نهايتها وتؤتي ثمارها، مُرّة سامة، أو حلوة جَنِية ..

ويصحح فكرة الإنسان عن الكون. إنه ليس إلهًا، وليس خالقًا. إنه مخلوقا عابد لربه، يتحرك بأمر خالقه، ولا يخرج في سيره عما رسمه له مولاه. وهو ليس عدوًا للإنسان، ولكنه مسخر بأمر ربه لمنفعة الإنسان.

ويصحح فكرة الإنسان -قبل ذلك كله- عن ربه العظيم، الذي خلقه، وسواه فعدله، وكرّمه وفضله، وخلق الكون كله وأجراه بمشيئته، والذي يستحق أن يعبد وحده ولا يعبد سواه.

ثم ينطلق الإنسان بعد تصحيح مفاهيمه الأساسية عن الله والكون والحياة والإنسان [5] ، يعمر الأرض بما"ينفع الناس"..

هل هناك منهج يحقق ذلك إلا الإسلام؟!

(1) سورة الحج: 47.

(2) سورة هود: 15.

(3) أي طغوا في الأرض بغير الحق.

(4) سورة الأنعام: 43 - 45.

(5) راجع مقومات التصور الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت