الصفحة 125 من 142

الصحوة الإسلامية هي قدر الله الغالب، في وجه كل الجهد الذي يبذله أعداء الإسلام للقضاء على هذا الدين (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [1] .

لقد ظن المخططون والمنفذون من قِبَل الصليبية الصهيونية أن هجمتهم الأخيرة المخططة المدروسة المنظمة ستكون هي الضربة القاضية التي تقضي على آخر ما بقي في الإسلام من أنفاس، وتريحهم إلى الأبد من ذلك العدو الذي ظل يصارعهم ويصارعونه كل هذا المدى المديد من القرون.

ثم كانت المفاجأة لهم جميعًا هذه الصحوة التي تبشر (أو من وجهة نظرهم تنذر) بعودة الإسلام إلى الحياة من جديد!

(وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [2] !

كيف حدثت الصحوة بعد سبات مديد امتد أكثر من قرنين من الزمان؟!

أما نحن فلا نرى في ذلك غرابة على الإطلاق .. فالإسلام هو النبض الطبيعي لهذه الأمة. وليس العجب في نظرنا أن تعود الأمة إلى نبضها الطبيعي، إنما العجب -كان- أن تنحرف عنه، وتحاول أن تعيش بقلب صناعي ما أسرع ما يعطب، بدلًا من أن تعالج ما حل في قلبها من الأمراض، فتسترد عافيتها بقلبها الطبيعي الذي خلقه الله لينبض بالحياة السوية:

(فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [3] .

أما هم فيستغربون، ويصل بهم الاستغراب إلى ح الدهشة، ثم يثور الحقد الدفين في قلوبهم أشد فورة من قبل، فيخططون للانقضاض من جديد!

يستغربون، لأن التخطيط الذي خططوه، والجهد الذي بذلوه كان كافيًا بالفعل للقضاء على ما بقي من بقايا الإسلام في نفوس الناس، لولا قدر الله الغالب الذي قدره الله لإبقاء هذا الدين حيًا لا ينتهي إلى يوم القيامة:

"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين في الأرض إلى يوم القيامة .." [4] .

ولنأخذ نموذجًا قطاعًا واحدًا من تخطيطاتهم الشيطانية هو تحضيرهم لإنشاء دولة إسرائيل.

ففي سنة 1897م اجتمع المؤتمر الصهيوني برئاسة هرتزل في مدينة بال بسويسرا، وقرر ضرورة إنشاء الدولة اليهودية خلال خمسين عامًا .. فماذا فعلوا في تلك السنوات الخمسين؟

ذهبوا أولًا إلى السلطان عبد الحميد ليعرضوا عليه كل ما يغري حاكمًا في الأرض ليستجيب إلى طلبهم، وهو إعطاء اليهود قطعة من الأرض ليقيموا عليها وطنًا قوميًا لهم في فلسطين ..

عرضوا عليه رشوة شخصية خمسة ملايين من الجنيهات الذهبية كانت تساوي في حينها أضعاف أضعاف قيمتها الحالية، وكان من يملك مثلها يعتبر حينئذ من أغنياء العالم المرموقين!

وعرضوا عليه أن يتدخلوا لي: روسيا وبريطانيا وفرنسا لتكف عن إثارة الأقليات في داخل الدولة العثمانية، وكانت تلك الإثارة المستمرة من أشد ما تعاني منه الدولة، ما تكاد تنتهي من إخماد فتنة حتى تبرز لها فتنة جديدة، لكيلا تستقر أبدًا ولا تلتقط أنفاسها.

(1) سورة يوسف: 21.

(2) سورة النمل: 50.

(3) سورة الروم:30.

(4) أخرجه وأحمد وابن ماجه وأبو داود بنحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت