الصفحة 126 من 142

وعرضوا عليه قروضًا طويلة الأجل لإنعاش الاقتصاد العثماني المتدهور [1] .

ولكن السلطان المسلم رفض كل هذه العروض المغرية، وقال لهم قولته الشهيرة: إن هذه ليست أرضي، ولكنها أرض المسلمين، وقد رووها بدمائهم، وفي كل شبر منها شهيد. ولا أملك أن أتنازل عن شبر واحد منها [2] .

عند ذلك قرروا عزل السلطان عبد الحميد، وعزلوه بالفعل، وأتو بحزب الاتحاد والترقي، ومعظمه من يهود الدونما المتمسلمين ليتولى الحكم ويخطط لإزالة الخلافة ..

ثم رتبوا لإشعال الحرب العالمية الأولى للقضاء على الدولة العثمانية، بعد أن أمسكوا ذراعي الكماشة التي يحصرون فيها الإسلام من الجانبين. فمن ناحية الأتراك أثاروا فيهم النعرة الطورانية، والدعوة إلى تتريك الدولة، والضغط على العرب واضطهاهم، ومن ناحية العرب أرسلوا إليهم لرونس ليشعل"الثورة العربية الكبرى!"ضد دولة الخلافة، تمهيدًا لتفتيت الدولة ثم إعادة تفتيتها، واستغفلوا في سبيل ذلك الشريف حسين، ومنوه بما منوه به ليعلن الثورة، وليدمر الخط الحديدي الذي يصل اصطنبول بالمدينة المنورة، والذي كان من أعظم إنجازات عبد الحميد، وكان كذلك من أشد ما غاظ المخططين الصليبيين الصهيونيين. ولما دمر انقطع المدد الذي كان يمكن أن يسعف الدولة في حربها مع حلفاء الغرب، واحتجز ألوف من أفراد الجيش العثماني في المنطقة العربية وذبّحوا مع حلفاء الغرب، واحتجز ألوف من أفراد الجيش العثماني في المنطفة العربية وذبّحوا تذبيحًا .. وفي الوقت ذاته تحرك"الجيش العربي!"بقيادة اللورد أللنبي ليتمم تدمير الدولة، وهو الجيش الذي قال عنه أللنبي: لولا معاونة الجيش العربي ما استطعنا أن نتغلب على تركيا! والذي عاون الصليبية الصهيونية في احتلال القدس، فأروى غليل أللنبي وقال: الآن انتهت الحروب الصليبية [3] !!

ثم قسموا ما سموه"تركة الرجل المريض"بين بريطانيا وفرنسا، صديقتي اليهود، وشكلت في الأرض التي كانت أمة متحدة ودولة متحدة مجموعة من الدول الهزيلة الضعيفة المتنازعة المتنافرة، على رأس كل منها رجل يطمع في ملك أخيه، ويستعين بالصليبية الصهيونية على أخيه. ووضعت فلسطين بالذات تحت الانتداب البريطاني، ليعدّها لإنشاء إسرائيل فيها، في عهد بلفور اليهودي -وزير الخارجية البريطانية- الذي أدلى بتصريحه المشهور، وتحت إشراف المندوب السامي البريطاني -اليهودي- صمويل هَوَرْ.

وفي أثناء ذلك كان"الزعماء"قد عملوا عملهم في تحويل الأمة عن الإسلام تحت رايات القومية والوطنية، وكان كتاب و"مثقفون"قد تولوا ليّ أعناق المسلمين بعيدًا عن الإسلام نحو أوربا، فحدثوهم عن مشكلات أوربا -لا عن مشكلاتهم هم! - وعن طريقة أوربا في حل مشكلاتها [4] ! وعن الفكر الغربي، والثقافة الغربية، والحضارة الغربية، والقيم الغربية، والتقدم الغربي، وعن المرأة المتحررة في أوربا التي يرجى أن تتحرر المرأة"الشرقية"على مثالها! والتي تقوم الدعوة بالفعل إلى"تحريرها"من دينها وأخلاقها!

وتولت الصحافة، ثم تولت السينما، ثم الإذاعة (ولم يكن التليفزيون قد ظهر بعد) كما تولت الشواطئ العارية والصور العارية إتلاف ما عسى أن يكون قد بقي في نفوس الشباب من اهتمامات جادة، وتحويل ذلك الشباب إلى ميوعة وتفاهة وانحلال خلقي وسطحية في التفكير ولهث وراء المظاهر الفارغة التي لا تنشئ كائنات آدمية سوية لها ثقل في سير الأمور ..

ثم لما جاءت الساعة الفاصلة عام 1947، بعد خمسين عامًا بالضبط من مؤتمر الصهيونية في سويسرا تحركت الدمى العسكرية -التي يعتمد تسليحها وتدريبها وذخيرتها على بريطانيا وفرنسا صديقتي اليهود -فمثلت أدوارها الملقاة عليها، ثم وقفت على خط التقسيم المتفق عليه سلفا بين"زعماء"المنطقة .. وولدت إسرائيل على أرض الإسلام!

(1) كان الاقتصاد العثماني قد تدهور نتيجة الترف الذي عاش فيه السلاطين المتأخرون. وانظر على سبيل المثال قصر"ضولمة بهجة"-قصر السلطان عبد المجيد- الذي يحوي في داخله أربعين طنًا من الذهب الخالص في أدواته ومرافقه وزخارفه! وقد سدد السلطان عبد الحميد كل ديون الدولة في فترة حكمه دون الاستعانة بالقروض، وكان يعمل بيديه للمشاركة في سداد الديون.

(2) كان رفض عبد الحميد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين من أسباب حقدهم عليه، وتشويه سمعته بما لم يسبق أن شوهت به سمعة حاكم في الأرض! ومؤرخونا مع الأسف ينقلون عن مصادرهم .. إلا من رحم ربك.

(3) لم تكن الحروب الصليبية قد انتهت عند احتلال أللنبي للقدس عام 1917، ولا تنتهي تلك الحروب أبدًا ما دام هناك إسلام في الأرض كما قرر ذلك العليم الخبير سبحانه:"وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا" [سورة البقرة: 217] ولكن كلمة أللنبي تدل على مقدار تغلغل الحقد الصليبي في قلبه، ومقدار تشفيه في المسلمين باحتلال القدس.

(4) وهي إبعاد الدين وإحلال العلمانية اللادينية محله!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت