أي تخطيط يمكن أن يكون أدق وأشمل وأخبث من هذا التخطيط .. ؟!
ورغم ذلك كله تقوم الصحوة؟!
إننا نهتم كثيرًا بالصحوة الإسلامية، وندعو إلى إفراد فصل مهم لها عند إعادة كتابة التاريخ .. لجملة أسباب.
أولًا: لدلالتها الكبرى على أن الإسلام لم ينته كما زعم الزاعمون!
فقد كان أناس قد زعموا أن الإسلام قد انتهى منذ عهد الخلفاء الراشدين! وقد فندنا زعمهم في الفصول الأولى من الكتاب، وبينا أن حركة انسياح المسلمين في الأرض، ودخول شعوب بأكملها في دين الله، هي وحدها دليل كاف على أن الإسلام لم يكن قد انتهى بفتنة مقتل عثمان، ولا بالنزاع بين علي ومعاوية، ولا بانتهاء فترة الذروة، فقد كان باقيًا بحيويته وفاعليته وقدرته على الامتداد في الأرض لا في صورة نظريات ولا شعارات، ولكن في صورة واقع تحمله أمة وتتحرك به.
وكان أناس قد زعموا أن الإسلام قد انتهى بانتهاء الدولة العربية الأموية، وأناس زعموا أنه انتهى بنهاية العصر العباسي، وأخيرًا فقد ظن أناس أن الإسلام انتهى بنهاية الخلافة العثمانية وأصبح من ذكريات التاريخ. وهؤلاء الأخيرون كانوا أشد الناس اقتناعًا بصدق ظنهم، لأن كل دلائل النهاية كانت أمامهم، فلا الوجود السياسي للإسلام قد بقي في الأرض، ولا الوجود الفكري، ولا الوجود الأخلاقي، ولا حتى الوجود التقليدي الذي كان محافظًا عليه في القرنين الأخيرين من الدولة العثمانية بالرغم من الموت الذي كان قد سري في كل جانب من حياة الأمة الإسلامية ..
ولكن هذه الظنون كلها لم تكن صحيحة ..
فلم ينته الإسلام في أية أزمة من أزماته الحادة بما فيها تلك الأزمة الأخيرة التي كادت تقضي عليه، لأن قدر الله الغالب أن يبقى هذا الدين في الأرض إلى يوم القيامة .. وحين يقدر الله أمرًا فإنه يهيئ له أسبابه:
(إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [1] .
والأسباب التي هيأها الله لبقاء الإسلام حيًا بعد أزمته الحادة الأخيرة هي الصحوة الإسلامية.
والحق أن الحركة الأم لهذه الصحوة كانت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية، ولو قدر الله للأمة أن تستيقظ على هدي هذه الحركة لتغير التاريخ .. ولكن الأمة -في حينها- لم تكن على استعداد لأن تصحو! كانت غارقة في السبات العميق، فخيل إليها حينئذ أن صيحة الشيخ المجلجلة كانت كابوسًا مزعجًا، سرعان ما أصمّت عنه أذنيها، وأغمضت عينيها مرة أخرى وأسلمت نفسها للرقاد!
ووقع الصدام بين حركة الشيخ وبين الأمة الغافية في قضيتين اثنتين على الأقل، قضية الصوفية، وما حولها من عبادة الأضرحة والأولياء والمشايخ والتشبث بالخرافة، وقضية التوسل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فضلًا عمن هم دونه من موتى المسلمين .. وكانت كلتاهما من المسلمات عند الناس، التي لا يجادل فيها إلا خارج من دينه! فوقع الصدام حادًا بين ما يدعو إليه الشيخ من تصحيح العقيدة، وبين ما كان يرى الناس وقتها أنه هو العقيدة الصحيحة! ثم جاءت الظروف السياسية فمدت فترة الانحراف في حياة الأمة إلى حين. فقد وُجِد من يغري السلطان بالحركة على أساس أنها تمرد سياسي وليس حركة تصحيحية يراد بها إخراج الأمة من ضلالاتها وردها إلى الدين الصحيح. ويخطر في ظني -وإن كان هذا أمرًا يحتاج إلى تحقيق تاريخي ليس بين يديّ الآن أدواته -أن الصليبية الصهيونية كان لها دور في إيغار صدر السلطان على الحركة، لأن محمد علي -صنيعة فرنسا- عرض نفسه وخدماته للقضاء على الحركة الوهابية في الجزيرة، فاستخدمه السلطان بالفعل [2] .. ومحمد علي لم يكن يحب السلطان. وهو الذي حاربه بجيوشه التي دربتها فرنسا وسلحتها، وكاد يتغلب عليه في إحدى المعارك [3] ولم يكن يحب الإسلام، وهو الذي بدأ تيار التغريب في مصر بتوجيه فرنسا! لذلك
(1) سورة الطلاق: 3.
(2) محمد علي ودوره في محاربة الإسلام موضوع ذو أهمية بالغة، ولم يأخذ حظه من الدراسة بعد، وأرجو أن يتوجه إليه الباحثون المسلمون لتجلية هذا الدور على حقيقته ببحث علمي مؤيد بالوثائق.
(3) تدخلت بريطانيا لوقف هجوم محمد علي، وإبرام معاهدة كوتاهية التي تعهد فيها محمد علي بعدم التعدي على سلطان الخلافة، في مقابل أن يكون له ولورثته حكم مصر مع الولاء الاسمي للسلطان. ولم يكن تدخل بريطانيا لحماية السلطان ولا الخلافة من العوان! إنما كان لأنها لم تكن قد أعدت نفسها حينئذ للسيطرة في المنطقة، فخشيت أن تستأثر فرنسا وحدها بالأسلاب!! فأخرت انهيار الدولة العثمانية ريثما تستعد هي! فلما استعدت اتفق"الخلفاء"على تدميرها في الحرب العالمية الأولى وخرجت بريطانيا بنصيب الأسد!