يخطر في ظني أن فرنسا -وكان لها حظوة عند السلاطين منذ سليمان القانوني- هي التي أغرت السلطان باستخدام محمد علي وأبنائه في القضاء على تلك الحركة الخطرة التي يمكن أن توقظ المسلمين، بينما الصليبية الصهيونية تُعدّ لذبحهم وهم غافلون!
وأيا كان الأمر، فقد بدا -إلى حين- أن الحركة قد ماتت في مهدها، وانحصرت في داخل الجزيرة العربية. وكان هذا وهما آخر من الأوهام المتعددة التي توحي بالموت وتُعرض عن بشائر الحياة! إنما كانت الحركة تنبض بالحياة الكامنة في قلبها، حتى أتاح لها قدر الله أن تنشر فروعها في حركات اليقظة الإسلامية التي تمثل الصحوة الإسلامية المعاصرة، وتمتد إلى كل أرجاء العالم الإسلامي ..
ومن أجل هذه الدلالة قبل كل شيء -دلالة الصحوة على أن الإسلام لم ينته، وأنه ما زال ينبض بالحياة- نقول إنه لا بد من إفراد فصل خاص عنها عند إعادة كتابة التاريخ، فإنه لم يقدّر لأمة أخرى غير الأمة الإسلامية أن تظل حية بعد كل ما أصابها من الآفات واالنكسات، ومردّ ذلك إلى طبيعة هذا الدين، وأنه دين الفطرة، وأنه الدين الذي حفظ الله أصوله، وأنه الدين الذي قدّر الله له أن يأخذ صورته التطبيقية في واقع مشهود في الأرض امتد في الزمن بضعة قرون .. فأصبح ذلك كله رصيدًا حيًا مذخورًا يستمد منه كل قلب فتح الله بصيرته على الحق .. فما هي إلا أن يقبس قبسة من الشعلة المقدسة حتى يشتعل ويتوهج، ويتحرك لتحقيق هذا الدين في عالم الواقع!
وتلك الدلالة وحدها تستحق أن توجه إليها الأنظار.
كذلك لا بد من إفراد فصل خاص عن الصحوة الإسلامية من أجل دلالتها التاريخية ..
فقد جاءت -من جهة- بعد كل الجهد الذي بذلته الصليبية الصهيونية في القضاء على الإسلام .. وجاءت -من جهة أخرى- في الوقت الذي تؤذن فيه الجاهلية المعاصرة على الانهيار. ولكل من الأمرين دلالة تاريخية.
فأما الأمر الأول فدلالته أن هذا الدين مقدر له أن يبقى ..
فلو كان في تقدير الله أن ينتهي هذا الدين -وهو سبحانه الذي يقدّر وليس البشر- فقد كان الكيد الأخير للصليبية الصهيونية قمينا بأن يقضي عليه القضاء الأخير .. فقد كان الكيد محكمًا، وكانت الأمة في الوقت ذاته في أقصى درجات ضعفها، لأنها كانت في أقصى درجات انحرافها عن حقيقة الإسلام، فكانت هذه فرصة مواتية للقضاء على الإسلام، ولقد كان هذا هو ظن المخططين وهم يرسمون الخطط الدقيقة ثم ينفذونها بكل دقة، وهم آمنون من تدخل أي قوة أرضية في تنفيذ مخططهم.
وكانت قمة التخطيط هي الإتيان بكمال أتاتورك لإزالة الخلافة، وإضفاء البطولات الزائفة عليه حتى يمر عمله الشرير في صورة إصلاح وإنقاذ لا تدمير وإفساد، مع العمل الدائب -السابق- لإخراج مصر من إسلامها عن طريق الغزو الفكري وحركة التغريب ..
ولكن الله يقدر الأقدار، كان قد قدّر غير ذلك! فكان هذا العمل ذاته، الذي أريد به القضاء على الإسلام، هو الذي بعث حسن البنا ليقوم بحركته التاريخية! فقد قال في نفسه، إذا كانت الخلافة قد زالت فلماذا لا نسعى لإيجادها من جديد؟! وأنشأ من أجل هذا الهدف جماعته التي بعثت الحركة في مساحة غير قليلة من العالم الإسلامي ..
(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا، فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) [1] .
ثم لو كان في قدر الله أن يموت هذا الدين وينتهي من الأرض، فقد كان فيما قامت به الصليبية الصهيونية على يد عملائها للقضاء على الصحوة الإسلامية ما هو قمين بالقضاء عليها ..
لقد كانت المفاجأة بعد أن تم التخطيط لإقامة الدولة اليهودية على أرض الإسلام [2] ، وقامت مسرحية الدمى العسكرية التي انتهت بالوقوف عند خط التقسيم المتفق عليه سلفا .. كانت المفاجأة المذهلة هي اشتراك الفدائيين من الإخوان المسلمين في حرب فلسطين. وما إن اشتبك معهم
(1) سورة الطارق:15 - 17.
(2) من خبائث الكيد أن تسمى المنطقة التي أقيمت فيها إسرائيل وما حولها مما تريد إسرائيل أن تصل إليها لتكوين إسرائيل الكبرى منطقة"الشرق الأوسط"لإزالة صبغتها الإسلامية العربية. فإنها إن بقيت إسلامية -أو حتى عربية- فلا مكان لإسرائيل فيها. أما حين تصبح منطقة جغرافية فكل من هب ودب يستطيع أن يجد له مكانًا فيها!