ربما كانت فترة البعثة النبوية من أوفى الدروس في مناهج الدراسة الحالية، وفي كتب المؤرخين المحدثين الذين يتناولون هذه الفترة بالدراسة. وربما كان السبب في ذلك أن المرجع الرئيسي فيها هو كتب السيرة وليس كتب المستشرقين! (وإن كان بعضهم لم يسلم تمامًا من تأثير المستشرقين حتى بالنسبة لهذه الفترة!) [1] وربما كان السبب كذلك أن شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- من العظمة والضخامة بحيث لا يملك البشر إزاءها سوى التسليم والإقرار (إلا من طمس الله على قلبه بدافع الحقد الدفين كما يصنع فريق من المستشرقين!) .
ومع كون المكتوب في هذه الفترة وافيًا بالغرض على وجه العموم، فإننا نحتاج أن نضيف إليه بعض الإضافات.
إن دراسة الفترة المكية من حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- تشتمل على أربعة موضوعات رئيسية:
1 -شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهذا الموضوع هو أصفى الموضوعات جميعًا في كل مناهج الدراسة، وفي الكتابات الحرة للمؤرخين.
2 -موقف الجاهلية من دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ثم من المؤمنين الذين آمنوا بدعوته.
3 -موقف المؤمنين من العذاب والاضطهاد الذي وقع عليهم في مكة.
4 -دار الأرقم ودورها في تربية الجماعة المسلمة الأولى في مكة.
والثلاثة الموضوعات الأخيرة هي التي تحتاج إلى إضافات.
أول ما يلاحظ على الكتب الدراسية خاصة وهي تعالج موقف الجاهلية من الدعوة أنها تتحدث عن الموضوع تحت عنوان"موقف قريش من دعوة الرسول- صلى الله عليه وسلم". وحقيقة إن الذي تصدى لدعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بادئ ذي بدء هو قريش، وأن الذي أوقع العذاب والاضطهاد بالمؤمنين الأوائل هو قريش. ولكن هذه مجرد ملابسات سببها أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر بإنذار عشيرته الأقربين [2] ، وعشيرته الأقربون هم قريش. وأن المؤمنين الأوائل كان معظمهم من قريش، فكانت قريش هي القبيلة التي أوقعت بهم العذاب والاضطهاد.
ولكن هذه الملابسات لا ينبغي أن تصرف أنظارنا عن الحقيقة الكامنة وراءها، ولا عن العنوان الذي ينبغي أن ندرس الموضوع تحته. فالوضع في حقيقته أن"الجاهلية"هي التي وقفت هذا الموقف من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والذين آمنوا به. وما كانت قريش إلا عنوان هذه الجاهلية ورياستها وواجهتها. وإلا فإن ثقيفًا وهوازن وغيرهما من القبائل وقفت نفس الموقف ولذات الأسباب. فقصر الحديث -أو تركيزه- على قريش يغيّب عن الدارس هذا المعنى الرئيسي، وهو أنه في الحقيقة موقف الجاهلية من قضية لا إله إلا الله، وليس موقف قريش من محمد -صلى الله عليه وسلم-.
إن قصر الحديث -أو تركيزه- على قريش يعطي الدارس إيحاء خاطئًا بأنها معركة محلية -أو شخصية- بين قريش وبين محمد -صلى الله عليه وسلم-. والأمر في حقيقته أبعد ما يكون عن ذلك. فمحمد -صلى الله عليه وسلم- واحد منهم، ومن أعزهم عليهم -قبل البعثة- ومن أكثرهم احترامًا بينهم، حتى لقبوه بالأمين، ورجعوا إليه في حل معضلاتهم أكثر من مرة، وحين اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود، واتفقوا على أن يحكّموا في الأمر أول داخل عليهم، فكان عليه الصلاة والسلام أول داخل، تهللت وجوههم واستبشرت قلوبهم أن الأمر وقع في يد الشخص الذي يرتاحون جميعًا ويسلمون بحكمه. وإنما قام العداء المفاجئ بصورته الحادة حين دعاهم للا إله إلا الله. فالقضية إذن -كما حددها كتاب الله- هي قضية لا إله إلا الله، وليست قضية محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام:
(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) [3] .
ثم إنها لم تكن قضية قريش وحدها، وإنما كانت قضية كل قبيلة في الجزيرة العربية وصلتها الدعوة، وإن كان الملابسات وحدها هي التي جعلت قريشًا أشد القبائل اشتباكًا بها، بحكم أنهم هم قوم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المباشرون.
(1) خذ على سبيل المثال كتاب"حياة محمد"لهيكل وملاحظات الدكتور إبراهيم شعوط عليه.
(2) أنزل تعالى على رسوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [سورة الشعراء: 214] .
(3) سورة الأنعام: 33.