الصفحة 39 من 142

ووضع المسألة على هذا النحو أمر ضروري وحيوي، أولًا لأنه هو الحقيقة العلمية والتاريخية، وثانيًا لأنه يعطي الدارس تصورًا أوسع وأعمق لقضية لا إله إلا الله وأهميتها في حياة البشرية من ناحية، ولكراهية الجاهلية -كل جاهلية- لهذه القضية من ناحية أخرى، ولأسباب هذه الكراهية، وعنف الصراع الدائر في التاريخ البشري كله حول هذه القضية بالذات، ونتائج هذا الصراع في واقع البشرية .. وكلها أمور غاية في الأهمية بالنسبة للدارس المسلم بالذات.

والذي يقرأ القرآن يلحظ ولا شك التركيز على هذا المعنى في أكثر من مناسبة وفي أكثر من صورة.

فتارة تأتي قصص المكذبين في التاريخ موحدة الصيغة والنسق، كما في سورة الأعراف [1] وسورة هود [2] وسورة الشعراء [3] ، لتعطي ذلك الإيحاء بوضوح: أن الأنبياء جميعًا قد جاءوا بكلمة واحدة يقولونها لأقوامهم:"اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ". وأن أقوامهم -في جاهليتهم- وقفوا من أنبيائهم موقفًا واحدًا، وهو رفض الإيمان بلا إله إلا الله، ورفض إفراد الله بالعبادة.

وتارة يُجْمَلُ ما قالته الرسل جميعًا وما قالته أقوامهم جميعًا في سرد واحد كما جاء في سورة إبراهيم:

(أَلَمْ يَاتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَاتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ، قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّاتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [4] .

وتارة يوجه الحديث إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مباشرة كما في سورة فصلت:

(مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) [5] .

وفي جميع الأحوال تبدو القضية واضحة: أن الرسل كلهم جاءوا بقضية واحدة هي لا إله إلا الله، وأن الجاهليات جميعًا وقفت من هذه القضية موقفًا واحدًا هو الرفض للا إله إلا الله.

ومن هذا التركيز في القرآن لا بد أن ندرك أن القضية لها أهمية خاصة، ولا بد كذلك أن نعطيها أهميتها الواجبة ونحن ندرس هذه الفترة من التاريخ الإسلامي.

إن تاريخ البشرية كله في الحقيقة هو تاريخ هذه القضية: يعبدون الله وحده أم يشركون به غيره؟ ينفذون منهج الله أم يتخذون منهجًا سواء. ويترتب عليها -في التاريخ كله- أن يكون الناس أحرارًا في عالم الواقع، أم عبيدًا بعضهم لبعض؟ كما يترتب عليها أن يمارسوا العدل الحقيقي في ظل منهج الله، أم يمارسوا المظالم في ظل المناهج البشرية المخالفة لمنهج الله [6] . هذا في الحياة الدنيا، أما في الآخرة فيترتب عليها ما هو أخطر بكثير من ذلك: خلود في الجنة أو خلود في النار.

والتاريخ البشري -كما تقدمه لنا الجاهلية المعاصرة- يكاد يغفل هذه القضية تمامًا، لأسباب ليس هنا مجال ذكرها [7] ، ويضع للحياة معايير أخرى مختلفة تمامًا عن هذا المعيار. ولكن الدارس المسلم هو أولى الناس بإعطاء هذه القضية أهميتها الواجبة لها، وأولى الناس أن يصحح المعايير. ودراسة موقف الجاهلية العربية من قضية لا إله إلا الله مناسبة طيبة لهذا الأمر وذاك، فعلينا أن نبرز المعاني التي تغفلها الجاهلية المعاصرة عن عمد، وتغفلها كتب المستشرقين ذلك وهي تتحدث عن الإسلام.

(1) سورة الأعراف: 59 - 92.

(2) سورة هود: 25 - 102.

(3) سورة الشعراء: 105 - 191.

(4) سورة إبراهيم: 9 - 14.

(5) سورة فصلت: 43.

(6) ويحدث الظلم كذلك في حياة المسلمين حين يخالفون منهج الله.

(7) انظر إن شئت كتاب"حول التفسير الإسلامي للتاريخ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت