الصفحة 40 من 142

إن المراجع الغربية تحصر"تاريخ الأنبياء"في ركن ضيق من التاريخ القديم، وتعرضه كأنه أحداث محلية هامشية لم تؤثر في مجرى التاريخ! ثم تبرز تاريخ النصرانية في أوروبا، وتاريخ الكنيسة، وتعرضه عرضًا مفصلًا، ولكنها تعرضه على أنه"العصور الوسطى المظلمة" [1] ، وعلى أنه فترة من الزمن قد مضت بخيرها وشرها -إن كان فيها خير ولن تعود! ثم تعرض تاريخ الإسلام على أنه قوة مناوئة لأوروبا، نبتت في الشرق، ووقعت بينها وبين أوروبا صراعات مريرة، وانتهت بغلبة أوروبا في العصر الأخير ..

ثم نعرض نحن تاريخنا، ونركز بحكم علاقتنا المباشرة به على موقف الجاهلية العربية -بل موقف قريش- من دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكنا نغفل بدورنا الوزن الحقيقي لهذه القضية في تاريخ"الإنسان"كله على الأرض، بينما مؤرخونا القدامى وعلماؤنا كانوا يولونها من الاهتمام ما هي جديرة به، وهم يعالجون قضية"الكفر والإيمان"وتاريخ"الكافرين"وتاريخ"المؤمنين".. لذلك نحس أن الجو قد اختلف علينا حين ننتقل من دراسة التاريخ في المراجع الحديثة إلى دراسة العلوم الشرعية بما فيها كتب التفسير، أو ننتقل من العلوم الشرعية إلى التاريخ، لا اختلاف التخصص -وهو أمر بديهي- ولكن اختلاف"الروح"التي نتناول بها هذا العلم وتلك العلوم! ولم يكن هذا الاختلاف قائمًا في كتب علمائنا الأقدمين ..

وهذا أمر لا بد أن نلتفت إليه، ونصحح موقفنا منه ونحن نحاول إعادة كتابة التاريخ!

إن الصراع الأكبر في الحياة البشرية ليس هو الصراع السياسي، ولا الصراع الحربي، ولا الصراع الاقتصادي، ولا الصراع"الحضاري"بالمعنى الضيق، كما تعرضه مناهج التاريخ الغربية التي نتتلمذ اليوم عليها، وإن كانت هذه الصراعات كلها قائمة في واقع الحياة. إنما الصراع الأكبر -الذي يغير وجه الأرض حقًا بحسب نتيجته -هو الصراع بين الحق والباطل. بين عبادة الله وعبادة الآلهة الأخرى المزيفة.

وتلك القضية تغفلها الجاهلية دائمًا، ولا تحب أن تبحث الأمور من زاويتها، لأنها لا تحب أن تشهد على نفسها أنها كافرة، وأنها -بكل ما تزعمه لنفسها من"الحضارة"- واقفة في الحقيقة في القطاع الجاهلي من التاريخ!

إن الصراع بين قوتين جاهليتين هو صراع"شخصي"، هدفه أن تفوز إحدى القوتين على الأخرى وتدمر الثانية أو تخضعها لسلطانها. ولكن حياة البشرية لا تتغير كثيرًا سواء انتصرت هذه القوة أو تلك. أما حين يقع الصراع بين قوة الإيمان وقوة الكفر فإن شيئًا كثيرًا يتوقف على نتيجة الصراع، هو حال"الإنسان": أفكاره ومشاعره وسلوكه. قيمه وأخلاقه واهتماماته، والمجالات التي يبذل فيها جهده ونشاطاته .. وتلك هي القيمة التي يمثلها ظهور"الإسلام"في الأرض في جميع أطواره منذ آدم ونوح إلى قيام الساعة. ويمثلها -في أبرز صورها- ظهور"الأمة الإسلامية"، أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- وما قدمت للبشرية من خير، وما أحدثت في واقعها من تغيير.

ولذلك فإن المؤرخ المسلم بالذات مطالب بإبراز القضية في حجمها الحقيقي، الذي تتغافل عنه مناهج غير المسلمين.

لماذا يقع الصراع في الأرض بين الجاهلية وبين لا إله إلا الله؟ وما الآثار المترتبة على ذلك الصراع؟

إن أسباب الانحراف عن عبادة الله الواحد -التي هي أصل الفطرة- إلى عبادة الآلهة الأخرى الزائفة، كثيرة ومتشعبة. من بينها هبوط البشر -حين تنتكس فطرتهم- من المستوى الراقي الذي خلقهم الله عليه، مستوى الإيمان بالغيب، إلى الانحصار في العالم الذي تدركه الحواس فحسب، فيتطلعون إلى آلهة حسية يعبدونها بدلًا من الله الذي لا تدركه الأبصار، كما قال الله عن بني إسرائيل:

(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [2] .

ومنها التعظيم الزائد عن الحد لأشخاص صالحين، حتى ينقلب التعظيم إلى تقديس وعبادة، كما عبد قوم نوح ودّا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا [3] .

(1) ولا شك أن أوروبا على حق في أن تسمي عصورها الكنيسة العصور المظلمة، فقد كانت كذلك في الواقع، ولكن لا بسبب الدين في ذاته كما يزعم أعداء الدين من مؤرخين وغير مؤرخين، ولكن بسبب انحراف الكنيسة عن دين الله المنزل، واختراعها دينًا جاهليًا من عندها ما أنزل الله به من سلطان، ثم طغيانها البشع بدينها الجاهلي، ومحاربتها للعلم والحضارة والعمران.

(2) سورة الأعراف: 138.

(3) عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال:".. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت"رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت