ومنها تجبر أفراد من البشر على أقوامهم بالسلطان الطاغي، فيستعبدونهم، ويجعلون أنفسهم أربابًا، ويطلبون من أقوامهم أن يقدموا لهم فروض العبادة، ويرهبونهم بالسلطة الطاغية التي يملكونها في أيديهم، حتى يرغموهم على عبادتهم، سواء اتخذت العبادة صورة تقديم الشعائر والقرابين لهم كما كان الفرعون وكسرى وقيصر، أو صورة التشريع من دون الله، وإخضاع العبيدة لشرع السادة، كما هو الحال في جميع جاهليات التاريخ: في الرق والإقطاع والرأسمالية والشيوعية، وكل نظام لا يحكم بما أنزل الله.
وحين يحدث هذا الشرك بأي من أنواعه الثلاثة: شرك الاعتقاد أو شرك العبادة أو شرك الاتباع في غير ما أنزل الله أو بها جميعا [1] ، فإن الله برحمته كان يرسل رسلًا لهداية البشرية إلى الله الواحد: وترك الشرك بأنواعه، وإخلاص العبودية لله وحده، فيقول الرسل لأقوامهم: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) .
وهنا يحدث الموقف المتكرر، الذي حدث مع كل رسول قبل محمد -صلى الله عليه وسلم-، وحدث مع محمد -صلى الله عليه وسلم-كما حدث مع إخوته من قبل، صلاة الله وسلامه عليهم جميعًا: الرفض، والإصرار، والعناد.
لماذا يحدث ذلك؟!
ما دام الأمر ظاهرة بشرية متكررة، فلا نستطيع أن نرده إلى سبب خاص في كل مرة .. ولذلك فإن قولنا إن قريشًا وقفت هذا الموقف من دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لخوفها على سلطانها، هو قول مدخول، يضلل الدارس، ما لم نبين له حقيقة هذا السلطان، ونبين له كذلك أن هذا الموقف لم يكن خاصًا بقريش، إنما هو موقف"الملأ"-كل ملأ في التاريخ- من دعوة لا إله إلا الله!
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) [2] .
(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ، قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [3] .
(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَاكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ، قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) [4] .
(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ .. ) [5] ... (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا .. ) [6] .
قولة واحدة .. وموقف واحد مكرور ..
إن هؤلاء الملأ المتجبرين على أقوامهم، الذين يستعبدون البشر بسلطانهم، إنما يغتصبون في الحقيقة سلطانًا ليس لهم، إنما هو حق الله سبحانه وتعالى، الخالق المنعم الوهاب ..
(1) الغالب أن تحدث جميع ألوان الشرك مع بعضها البعض.
(2) سورة الأعراف: 59 - 60.
(3) سورة الأعراف: 65 - 66.
(4) سورة الأعراف: 73 - 76.
(5) سورة الأعراف: 85.
(6) سورة الأعراف: 88.