هو الذي خلق، وهو الذي أنعم على مخلوقاته بما أنعم، ووهب لهم من فضله ما وهب .. وهو الإله وحده .. فمن حقه وحده أن يعبد .. يعبد بالاعتقاد. ويعبد بالشعائر. ويعبد بالطاعة فيما أمر: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) [1] .
ولكن هؤلاء الجبابرة المتألهين، يدعون لأنفسهم سلطانًا يغتصبونه اغتصابا، فيجعلون من أنفسهم أربابا، وتتخذهم أقوامهم أندادًا من دون الله، فيقدمون لهم الطاعة في معصية الله.
ثم يجيء الرسول -صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا- فيقول كلمته الهائلة: لا إله إلا الله .. اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .. التي معناها: لا معبود إلا الله. أي لا أحد تقدم له شعائر التعبد إلا الله. ولا أحل يحل ويحرم إلا الله. ولا أحد تجب له الطاعة المطلقة إلا الله.
وفي التوّ يحس أولئك المغتصبون لسلطان الله، الذين يشرعون للبشر من عند أنفسهم فيبيحون ويمنعون، ويحلون ويحرمون، ويستعبدون البشر بسلطانهم .. يحس أولئك في التو أن هذا الرسول يقصدهم هم بادئ ذي بدء بكلمته تلك، كما يحس السارق لأول وهلة حين يرى رجل الشرطة مقبلًا في الطريق!
ومن هنا يتحفزون تلقائيًا لمعارضة ذلك الرسول القادم بلا إله إلا الله، المنادى برد السلطان إلى الله، في شعائر التعبد وفي التشريع سواء، ويرفضون ابتداء الانصياع لقولته، لأنهم يدركون أن معناها الفعلي هو التخلي عن السلطان الذي في أيديهم، الذي يستعبدون به الناس، ويعودون عبيدًا لله بلا زيادة، يخضعون لحكمه كما يخضع سائر الناس.
ذلك هو الباعث الرئيسي الذي يبعث"الملأ"في كل جاهلية أن يرفضوا لأول وهلة كلمة لا إله إلا الله، ويقفوا موقف العداوة من النبي الذي جاء بهذه الكلمة من عند الله.
ولقد كانت قريش هي"الملأ"بالنسبة للجزيرة العربية كلها، ومن أجل ذلك -بالإضافة إلى ملابسات القرابة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت هي أول المعاندين وأشد المعاندين!
أما الباعث الآخر -وهو متصل بالباعث الأول ومن مستلزماته- أن الملأ يكونون غارقين في الترف الفاجر إلى أذقانهم، حريصين على الاستماع بهذا الترف الذي حصلوا عليه من ابتزاز حقوق العبيد واستغلال كدحهم وجهدهم، فيكرهون تحرر أولئك العبيد من سلطانهم، كما يكرهون تذكير الرسول لهم أن المال ليس مالهم في الحقيقة، إنما هو مال الله، وأن عليهم أن يسيروا فيه بمقتضى أوامر الله:
(قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء) [2] .
ثم تقع سلسلة من الأحداث، تتشابه في كل جاهلية أو تتماثل ..
يحدث جدل بينهم وبين النبي يكذبونه فيه ليحاولوا صده عن قولته التي تزلزل كيانهم، وتهددهم بفقد ما في أيديهم من السلطان المغتصب، فيقولون له: لست نبياَ، ولست مرسلًا من عند الله. فأت بآية -أي علامة- تثبت أنك مرسل حقًا من عند الله. فإذا أصر على موقفه -كما حدث مع كل نبي- عملوا على تشويه سمعته بين الجماهير لتنفيرها منه، لئلا تؤمن به وتنقاد إليه فيذهب السلطان! إن سلطانهم إنما هو على هؤلاء"العبيد"بالذات، فإن تحرروا من عبوديتهم، ووجهوا عبادتهم لله الحق، فماذا يبقى للملأ من سلطان؟!
ووسائل التشويه متعددة، ومتشابهة في كل جاهلية. فالنبي يقال عنه ساحر أو مجنون:
(كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) [3] .
أو يقال للجماهير إنه جاء ليبدل دينكم ويفسد في الأرض:
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [4] .
(1) سورة الأعراف: 54.
(2) سورة هود: 87.
(3) سورة الذاريات: 52 - 53.
(4) سورة غافر: 26.