الصفحة 43 من 142

فإذا أصر الرسول على موقفه رغم حملة التشويه والتشكيك، وبدأ بعض الناس يؤمنون به، فقدت السلطة الغاشمة صبرها، فهددت بالبطش أو لجأت إليه بالفعل:

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) [1] .

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) [2] .

(قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) [3] .

هكذا يحدث في كل جاهلية من جانب الملأ صاحب السلطان، ولنفس الأسباب. وما حدث من قريش تجاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن إلا تكرارًا- وبنفس الصورة- لما حدث في كل الجاهليات من قبل:

(مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) [4] .

فلا ينبغي أن نهمل إبراز هذا المعنى ونحن ندرس موقف قريش من الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأن إهماله يحصر القضية حصرًا معينًا يخرجها من حقيقتها التاريخية أولًا، ويخرجها من دلالتها التاريخية كذلك. والدارس المسلم أولى الناس أن يستوعب هذه الحقيقة وهذه الدلالة، لأن قضيته الرئيسية في الحياة هي قضية لا إله إلا الله، ونظرته للواقع البشري كله ينبغي أن تكون من خلال لا إله إلا الله ..

يجب إذن أن نضيف هذه الإضافة المهمة على مناهجنا الحالية، سواء للطلاب أو للقارئ العام. وحين نقول للدارسين إن قريشًا كانت تعارض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خوفًا على سلطانها، فيجب أن نبين لهم حقيقة هذا السلطان بالضبط، فإن هناك لبسًا دقيقًا يمكن أن يقع فيه الدارس حين نترك هذه الكلمة بغير تحديد.

إن السلطان السياسي لقريش -سلطان الرياسة- وسلطانها التجاري كذلك ليسا هما اللذين حركا قريشًا لتقف ضد الرسول -صلى الله عليه وسلم-. بل إنهم -من وجهة نظرهم، وعلى طريقة تفكيرهم الجاهلية- كانوا قمينين أن يرحبوا بظهور نبي من قبيلتهم، فذلك أحرى أن يزيد من سلطانهم السياسي على قبائل الجزيرة كلها، ويزيد -من ثم- من سلطانهم التجاري. وقد كانت القبيلة التي يولد فيها شاعر تتيه بشاعرها على القبائل الأخرى، فما بال القبيلة التي يولد فيها نبي؟!

إنما السلطان الذي خشوا عليه لم يكن ذلك! إنما هو السلطان المغتصب من الله، والذي كرهوا أن يردوه إلى الله، فيعودو بشرًا كبقية البشر، خاضعين كلهم لسلطان أعلى منهم، ليست مقاليده في أيديهم:

(إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ) [5] .

وتلك هي حقيقة القضية التي ينبغي أن نوضحها للدارس، ليعرف حقيقة السلطان الجاهلي الذي يأتي الإسلام لتحطيمه، وليعرف حقيقة الدور الذي تؤديه"لا إله إلا الله"في حياة البشرية، وهو رفع العبودية عن البشر، وتحريرهم من كل عبودية زائفة مذلة لكرامة الإنسان، برد العبودية كلها لله الواحد صاحب الأمر وصاحب السلطان، وهي العبودية التي يكتسب الإنسان منها الكرامة والعزة في الدنيا والآخرة سواء.

فإذا استقر الأمر في نفس الدارس على هذه الصورة بالنسبة للملأ حين يعاندون دعوة الإسلام -كما صنعت قريش- فهناك إضافة لا بأس من إضافتها بالنسبة لموقف بقية الناس، المستعبدين لهؤلاء الملأ، والذين كان المفروض أن يسارعوا إلى الإيمان بالدين الجديد، لأنه هو مخلّصهم ومحررهم في الحقيقة من ذلك الطاغوت الذي يتسلط على رقابهم، ومع ذلك فإنهم يقفون صفًا وراء الملأ في مبدأ الأمر .. ولا يسلمون!

(1) سورة إبراهيم: 13.

(2) سورة غافر: 26.

(3) سورة الشعراء: 116.

(4) سورة فصلت: 43.

(5) سورة غافر: 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت